رأي

اطلالة الجمعة:حين تتحول لحظة غضب إلى مأساة عمر

بقلم: عبد الرحمان سوسو

في لحظات التوتر والغضب، يفقد الإنسان أحيانًا القدرة على رؤية العواقب.تشتعل الأعصاب، يضيق التفكير، ترتفع نبرة الصوت، تتحرك اليد قبل العقل، وتصدر كلمات أو أفعال لا يمكن التراجع عنها بعد وقوعها.وحين يعود الهدوء، يكون كل شيء قد تغيّر.

وقد يكون الأوان قد فات.كم من إنسان كان يعيش حياة عادية مستقرة، بين زوجة وأبناء وعمل وأصدقاء، ثم وجد نفسه فجأة خلف القضبان، أو مطاردًا بالندم، أو محاصرًا بلعنة فعل ارتكبه في لحظة انفعال؟إنها لحظة واحدة فقط. لكنها أحيانًا تكفي لتغيير مصير أسرة كاملة.

لقد أصبحت بعض الوقائع التي اهتز لها الرأي العام نماذج صارخة لعواقب التهور والانفعال غير المحسوب.ففي لحظة غضب طائشة، وجه سائق حافلة لنقل المستخدمين ضربة متهورة لسائق شاحنة، لتتحول مشادة عابرة إلى مأساة إنسانية وقضية جنائية تتداولها الألسن والمنابر.ولم يكن أحد يتوقع أن تنتهي لحظة عصبية بذلك الشكل المأساوي الذي جرّ خلفه ألماً لعائلات وأطفال وأقارب.

وفي واقعة أخرى مؤلمة، تسبب خلاف داخل وكالة بنكية في وفاة مستخدمة، ليجد المتسبب نفسه خلف أسوار السجن، بينما ترقد الضحية في صمت الموت.وهنا لا يكون الضحايا شخصين فقط.

بل تمتد دائرة الألم إلى أم مكلومة، وأب منكسر، وأطفال يتامى، وزوجات يواجهن قساوة الحياة، وأسر دخلت فجأة في نفق الحزن والضياع.ولم تكن جماعات إقليم قلعة السراغنة بعيدة هي الأخرى عن مثل هذه المآسي التي تصدم الضمير الإنساني وتدق ناقوس الخطر حول خطورة الانفعال غير المتحكم فيه.

فقد اهتزت إحدى الجماعات مؤخراً على وقع جريمة مؤلمة بعدما أقدم ثلاثيني، في لحظة غضب واندفاع مأساوي، على قتل شقيقته، في واقعة خلفت صدمة قوية وسط الساكنة، وتركت أسرة كاملة غارقة في الحزن والانكسار.

إنها صورة موجعة لما يمكن أن يفعله التهور حين يسيطر على الإنسان.لحظة انفلات واحدة كانت كافية لتحويل بيت عائلي إلى فضاء للبكاء، وأم إلى قلب مكلوم، وأب إلى إنسان يعتصره الألم، وأسرة إلى حطام نفسي واجتماعي.

إن أخطر ما في الغضب أنه يجعل الإنسان يعتقد لثوانٍ أنه قوي، بينما هو في الحقيقة يفقد أعظم قوة يمتلكها: قوة التحكم في النفس.لقد قيل قديمًا:“أقوى الناس من يملك نفسه عند الغضب.”فليس الشجاع من يصرخ أكثر، أو يضرب أسرع، أو ينتقم بعنف، بل الشجاع الحقيقي هو من يستطيع إطفاء نار الانفعال قبل أن تحرقه وتحرق من حوله.

كم من كلمة قيلت في لحظة غضب مزقت علاقات عائلية!وكم من صفعة أو ضربة أو تهديد انتهى بصاحبه إلى المحاكم والسجون!وكم من أبناء يدفعون اليوم ثمن لحظة تهور ارتكبها آباؤهم أو ذووهم!

إن الإنسان حين يفقد أعصابه لا يؤذي خصمه فقط، بل قد يدمر مستقبله بيده.فالسجن لا يعاقب فردًا واحدًا فقط، بل يعاقب معه أسرة كاملة.

الأطفال يفقدون الأمان، الزوجة تواجه الوحدة والخوف، الوالدان يعيشان الحسرة، والأقارب يتحولون إلى شهود على انهيار مؤلم كان يمكن تفاديه لو انتصر العقل على الغضب.

ولذلك، فنحن اليوم في حاجة ملحة إلى ثقافة التريث وضبط النفس.في الشارع…في العمل…في البيت…في مواقع التواصل الاجتماعي…وفي كل تفاصيل الحياة اليومية.ليس عيبًا أن يغضب الإنسان، فالغضب طبيعة بشرية، لكن العيب أن يتحول الغضب إلى سلوك مدمر.فاللحظة التي لا يستطيع فيها الإنسان التحكم في نفسه، قد تكون بداية سقوطه في المحظور.حين تستفزك كلمة، اصمت قليلًا.حين يشتد النقاش، انسحب بهدوء.حين تشعر أن أعصابك تنفلت، تذكر أن قرارًا خاطئًا قد يكلفك عمرك كله.

إن دقائق الصبر قد تنقذ سنوات من الندم.ولعل من أخطر ما نعيشه اليوم هو سرعة الانفعال في مجتمع أصبح متوترًا تحت ضغط المعيشة والعمل والمشاكل اليومية.أصبح البعض يغضب بسرعة، يسب بسرعة، يهدد بسرعة، ويتصرف دون تفكير، وكأن الناس فقدوا القدرة على التأمل قبل الفعل.لكن الحقيقة التي لا يجب أن ننساها أبدًا هي أن القانون لا يحاكم “لحظة الغضب”، بل يحاكم النتيجة.أما الندم، فإنه يأتي دائمًا متأخرًا.

فما قيمة لحظة انتقام قصيرة إذا كان ثمنها تشريد أسرة؟وما جدوى رد فعل متهور إذا انتهى بأطفال إلى اليتم، وأمهات إلى البكاء، وآباء إلى الحسرة؟

إن المجتمعات لا تبنى بالعنف والانفعال، بل بالحكمة وضبط النفس والتسامح.وأجمل انتصار يحققه الإنسان في حياته ليس الانتصار على الآخرين، بل الانتصار على غضبه.فلنمنح أنفسنا لحظة تفكير قبل أي رد فعل.ولنتذكر دائمًا أن الإنسان قد يندم على الكلام والفعل، لكنه نادرًا ما يندم على الصمت والتريث.لأن ثانية غضب…قد تصنع مأساة عمر كامل.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.