بقلم: عبد الرحمان سوسو
في مجتمعاتنا، كثيرا ما نسمع هذه العبارة تتردد على الألسن في كل صغيرة وكبيرة: “اش غادي يقولوا علينا الناس؟”عبارة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في العمق تتحول أحيانا إلى قيد نفسي ثقيل، وسجن غير مرئي، يجعل الإنسان يعيش حياته وفق نظرة الآخرين لا وفق قناعاته وأحلامه واختياراته.
كم من شاب قتل طموحه خوفا من كلام الناس؟وكم من امرأة تراجعت عن مشروعها أو دراستها أو زواجها أو فكرة كانت تؤمن بها لأن المجتمع قد يطلق الأحكام الجاهزة؟
وكم من إنسان عاش التعاسة فقط لأنه أراد أن يرضي الجميع؟إن الخوف المرضي من نظرة الناس ليس مجرد سلوك عابر، بل هو معول يهدم الثقة بالنفس، ويقتل روح المبادرة، ويزرع التردد في كل خطوة. فيتحول الإنسان إلى كائن مرتبك، ينتظر دائما التصفيق أو القبول أو الاعتراف من الآخرين حتى يشعر بقيمته.
والحقيقة الكبرى التي يجب أن نستوعبها هي أن الناس لا يجتمعون على رأي واحد.فمهما فعلت سيجد من ينتقدك، ومهما نجحت سيجد من يقلل من نجاحك، ومهما التزمت بالصواب سيجد من يراك مخطئا.
لذلك فإن جعل رضا الناس غاية نهائية هو طريق مضمون نحو الإرهاق النفسي وفقدان الذات.لقد علمتنا الحياة أن الشخص الواثق من نفسه لا يعيش تحت رحمة التعليقات ولا تحت سلطة الإشاعات. إنه يعرف من يكون، ويعرف ماذا يريد، ويتحمل مسؤولية اختياراته بشجاعة وهدوء.
إن أخطر ما في الخضوع لمنطق “اش غادي يقولوا علينا الناس” أنه يجعل الإنسان يتنازل تدريجيا عن شخصيته الحقيقية. فيلبس أقنعة لا تشبهه، ويتحدث بلغة لا تمثله، ويتخذ قرارات لا يقتنع بها، فقط حتى لا يزعج الآخرين أو يثير انتقادهم.وهنا تبدأ المأساة الحقيقية:أن يخسر الإنسان نفسه وهو يحاول إرضاء الجميع.
إن المجتمعات الحية والمتطورة لا تُبنى بالأشخاص الخائفين والمترددين، بل تُبنى بأصحاب المبادرات، وبالذين يملكون الجرأة على التفكير والاختيار والإبداع. فكل ناجح في هذا العالم تعرض للنقد، وكل صاحب فكرة جديدة واجه السخرية أو التشكيك في البداية.
ولكي يتحرر الإنسان من هذا الخوف السلبي يجب عليه :
-تعزيز الثقة بالنفس، لأن الشخص الذي يعرف قيمته لا تهزه بسهولة آراء الآخرين.
_ التفريق بين النقد البناء والكلام الهدام. فليس كل كلام الناس يستحق الاهتمام، وبعض الآراء مجرد انعكاس لعقد أصحابها أو نظرتهم الضيقة للحياة.
_ التوقف عن مقارنة النفس بالآخرين، لأن لكل إنسان مساره وتجربته وظروفه الخاصة.-الاقتناع بأن الخطأ جزء طبيعي من الحياة، وأن التجربة والتعثر أفضل ألف مرة من الجمود والخوف.
_ التركيز على تطوير الذات والعمل والنجاح بدل إضاعة الوقت في تتبع كلام الناس وردود أفعالهم.
إن الإنسان القوي ليس هو الذي لا يسمع كلام الناس، بل هو الذي يسمعه دون أن يسمح له بتحطيمه أو إيقافه عن السير نحو أهدافه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس: “اش غادي يقولوا علينا الناس؟”بل:ماذا سنقول نحن عن أنفسنا عندما تضيع منا الفرص بسبب الخوف والتردد؟وماذا سنقول لأحلامنا حين نخذلها فقط لأننا منحنا الآخرين سلطة التحكم في حياتنا؟
فلنعش حياتنا بوعي وثقة وكرامة، لا بعيون الآخرين وأحكامهم.فالناس يتكلمون اليوم وينسون غدا، أما العمر فلا يعود، والفرص حين تضيع قد لا تتكرر.

