Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id=195]
رأي

عودة الربيع من بابل إلى مراكش حكاية أنطولوجية

موسى عزوزي

فصل الربيع في جوهره حدث وجودي بامتياز. حيث ينتقل الكون خلاله من العدم الى الكينونة، فيتحقق انتصار الحياة في صراعها الأنطولوجي الأزلي ضد الموت. ولادة البراعم والنباتات التي اختفت شهورا أو سنوات من رحم الأرض القاسية، تعيد خضرة الحقول، وتشكل القوة الكامنة التي تحيي الرميم، وتعيد للإنسان ثقته في الحياة والوجود.
من أسطورة انبعاث تموز في بابل، وعيد النيروز أو اليوم الجديد، بأرض فارس إلى طقس الاستسقاء “ثاغنجا” (عروس المطر) بالمغرب الأقصى وصولاً إلى الإشارات القرآنية التي تجعل من إحياء الأرض برهاناً عقلياً على البعث، يظل الربيع مرآة تعكس تجدد الوجود، ورسالة فلسفية عميقة توقظ وعي الإنسان بأن الانبعاث ليس استثناءً، بل هو القانون الأصيل لهذا الكون.
فصل الربيع في مرايا الأساطير القديمة: سردية الانبعاث الأنطولوجي
لم يكن الربيع في وعي الإنسان القديم أو في مرحلة ما يسمى بالطفولة العقلية البشرية مجرد ظاهرة فلكية تمر بانتظام، بل كان “فعل خلقٍ متجدد” وانتصاراً وجودياً للظفر بالحياة من براثن العدم. لقد رأت الأساطير في الشتاء “موتاً مؤقتاً للوجود”، وفي الربيع “قيامةً كونية” تعيد التوازن للعالم.
في الميثولوجيا السومرية والبابلية ببلاد الرافدين يتجسد فصل الربيع أنطولوجيا من خلال أسطورة “تموز وعشتار”؛ حيث يعني نزول تموز إله الخصوبة والزراعة إلى العالم السفلي أي عالم الموت، وهو مكان بأبعاد هندسية في المخيال السومري تحيط به أسوار وله سبعة أبواب، تغيب فيه الخصوبة ويسود فيه العدم، بينما تمثل عودته في الربيع “استرداد الوجود أو الكينونة”.

وفي طقوس عيد الأكيتو، لدى السومريين والبابليين والآشوريين، وهو أقدم عيد مسجل في التاريخ (يعود للألفية الثالثة قبل الميلاد)، ويمثل لديهم “عيد رأس السنة” يبدأ في الاعتدال الربيعي (21 مارس) ويستمر 12 يوماً. حيث يحتفلون خلاله لمساعدة الكون على الخروج من حالة الفوضى والموت (فصل الشتاء) إلى الحياة والنظام (فصل الربيع).
في الأدبيات الفارسية القديمة يروى أن الملك الأسطوري جمشيد كان أول من احتفل بالنيروز حين صعد على عرش مرصع بالجواهر، وحملته الجن في الهواء ليتلألأ كالشمس في وسط السماء وكان ذلك اليوم هو “النيروز” أي اليوم الجديد، وفيه استقر النظام في العالم، وهدأ الصراع، وتم الانتصار على الفوضى.
ولا يُعد يوم النيروز أي 21 مارس الذي هو رأس السنة عند الفرس والأكراد مجرد احتفال بالربيع، بل هو “لحظة وجودية” فارقة تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والكون بانتصار الخير والنور والوجود والحياة والعدل على الشر والظلام وقوى العدم والجور. فالعالم في هذا اليوم في اعتقادهم يخلق من جديد، ويستعيد فيه الإنسان صلته بجذوره الكونية وقدرته على التجدد.
عند قدماء المصريين ارتبط الربيع بـ “أوزيريس”، رمز البعث بعد الموت الإله الذي قُتل ثم بُعث من جديد، وبذلك فانشقاق الأرض عن البذرة في فصل الربيع عند الإنسان المصري القديم هو تجسيد مادي لفكرة الخلود، أو طقس أنطولوجي يثبت أن “الحياة تخرج من الموت”، وهو ما رسخ مفهوم الاستمرارية في الفكر الفرعوني، إذ لم يكن الحفاظ على الجسد عبر التحنيط، والسكن المادي للروح من أهرامات ومقابر من الحجر الصلب، ووضع المتاع الجنائزي من طعام وأدوات عبثاً، بل لأن الفراعنة آمنوا بـاستمرارية الجسد والروح.
وفي تشابه مع أسطورة عشتار وتموز عند البابليين تقدم أسطورة “بيرسيفوني” في الميثولوجيا الإغريقية تفسيراً فلسفياً لتبادل الفصول؛ فبينما كانت Persephone تقطف الزهور، انشقت الأرض وخرج هيديز (إله العالم السفلي) واختطفها ليتزوجها وتصبح ملكة لعالم الموتى، حيث تقضي نصف السنة مع زوجها في العالم السفلي، وفي هذه الفترة تحزن والدتها ديميتر (إلهة الأرض) ، فيحل الشتاء وتموت الطبيعة، لكن عندما تعود بيرسيفوني إلى حضن أمها في عالم الأحياء، تفرح ديميتر، فتبتسم الأرض وينبت الزرع ويحل الربيع ليستعيد الوجود بهجته.
في بلاد المغرب الكبير شمال افريقيا تروي الأسطورة الأمازيغية أن “أنزار” (إله المطر) أحب فتاة فائقة الجمال كانت تغتسل في النهر، وعرض عليها الزواج فرفضت خجلاً، مما أثار غضبه، فحبس المطر عن الأرض وجفت الأنهار والآبار.
وخوفاً من الهلاك، تخلت الفتاة عن خجلها وقبلت بالزواج منه لإنقاذ شعبها، عندها نزل “أنزار” من السماء في شكل برق وعاصفة واحتضنها، فعاد المطر واخضرت الأرض من جديد.
ويتم تجسيد هذه الأسطورة ماديا من خلال طقس تاغنجا الجنائزي والاحتفالي في الآن نفسه عندما يحل الجفاف
من الرمز إلى البرهان… الربيع يقين وجودي في الرؤية الإسلامية
إذا كانت الأساطير القديمة قد قاربت الربيع بوصفه حكاية صراع بين الآلهة، فإن الإسلام نقل هذا “الحدث الوجودي” إلى مربع الاستدلال العقلي حيث يتحول الربيع من مجال الأسطورة، إلى البرهان الأنطولوجي على قدرة الخالق.
حيث يُنتشل الربيع من سياق “الزمن العابر” ليصبح دليلاً قاطعاً على “الزمن الآتي”. فالقرآن يخاطب العقل البشري بأن إحياء الأرض بعد موتها (الربيع) هو النموذج المصغر لعملية الخلق الأكبر (البعث)؛ في الآية 50 من سورة الروم يقول تعالى:”فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَة اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا”.. هنا تصبح عودة الخضرة “شهادة وجودية” تنفي العبثية عن الموت، وتؤكد أن الكينونة مستمرة في أطوار مختلفة.
وفي الدعاء المأثور في السنة النبوية حين دعا النبي ﷺ بأن يكون القرآن “ربيع قلبه”، إشارة إلى السر الأنطولوجي العميق ؛ باستحضار عنصر المطر الذي يحيي الأرض.
الربيع رسالة وجودية.. “دروس الانبعاث للإنسان المعاصر”

في ختام هذه الحكاية الأنطولوجية، نخلص إلى أن عودة الربيع ليست مجرد تكرار آلي في دورة الزمن، بل هي “نداء كوني” يتجاوز حدود التاريخ والجغرافيا. لقد كان الربيع للأمم القديمة صلاة استسقاء للأمل، وللمؤمن آية تدبر في الخلود، وهو لنا اليوم تذكير فلسفي بأن “العدم حالة طارئة، والحياة هي الأصل”.
إن الأنطولوجيا التي يقدمها الربيع تخبرنا بأن الجفاف الذي يلحق الروح أو الحضارات ليس نهاية الحياة، بل هو “نوم شتوي” ضروري لجمع القوة قبل الانفجار الأخضر الكبير. فكما تنشق الأرض عن البذرة في لحظة صمت مهيبة، فإن الإنسان مدعو بدوره لاستعادة “ربيعه الخاص”؛ عبر تجديد صلتة بمنابع الجمال، والإيمان بأن الانبعاث قانون لا بد أن يعود، سواء في حقول الطبيعة أو في عمق الوجدان الإنساني.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.