بقلم:ذ.عصام رشيد طالب باحث ماستر الحكامة القانونية الرقمية وحماية المعطيات بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة
في ظل تصاعد مظاهر الجريمة، خاصة السرقة بالعنف (الكريساج) وحمل السلاح الأبيض من طرف قاصرين، كما هو الحال في مدينة قلعة السراغنة، لم يعد النقاش مقتصرًا على الجانب الأمني فقط، بل تجاوز ذلك ليطرح سؤالًا أعمق: هل ما نعيشه هو أزمة اقتصادية؟ أم اجتماعية؟ أم أخلاقية؟الواقع أن هذه الظواهر لا يمكن اختزالها في سبب واحد، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين عدة عوامل.
من الزاوية الاقتصادية، لا يمكن إنكار أن البطالة والهشاشة تلعبان دورًا كبيرًا في دفع بعض الشباب نحو الانحراف. وهنا نستحضر قول الفيلسوف كارل ماركس:”ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم.”فحين يكون الواقع الاقتصادي هشًا، تنعكس نتائجه مباشرة على السلوك الاجتماعي.
أما من الناحية الاجتماعية، فالأمر يرتبط بتفكك بعض البنيات الأسرية وضعف التأطير وارتفاع نسب الهدر المدرسي. وفي هذا السياق، يرى عالم الاجتماع إميل دوركايم أن:”الجريمة ظاهرة عادية في كل مجتمع، لكنها تصبح خطيرة حين تفقد القواعد الاجتماعية قوتها.”وهو ما يفسر انتشار الانحراف حين تغيب الضوابط الاجتماعية الفعالة.غير أن البعد الأخلاقي يظل حاضرًا بقوة. فقد أشار الفيلسوف أرسطو إلى أن:”الفضيلة هي الوسط بين رذيلتين.”
وحين يختل هذا التوازن، تظهر السلوكيات المتطرفة، كالعنف واستعمال السلاح الأبيض، خاصة في صفوف القاصرين.كما يمكن استحضار قول المفكر جان جاك روسو:”الإنسان يولد خيّرًا، ولكن المجتمع هو الذي يفسده.”وهو طرح يعيدنا إلى مسؤولية المحيط الاجتماعي في توجيه سلوك الأفراد، خصوصًا في مراحلهم الأولى.لكن الأخطر هو التقاء هذه الأبعاد الثلاثة في نقطة واحدة: والقاصر الجانح، الذي يصبح ضحية وضع اقتصادي هشنتاج خلل اجتماعي، وانعكاس لتحولات قيمية يعيشها المجتمع.
في هذا السياق، يظل الإطار القانوني واضحًا، حيث يضمن الدستور المغربي الحق في الأمن، وتُجرّم فصول القانون الجنائي السرقة بالعنف وحمل السلاح الأبيض، كما تؤكد المواثيق الدولية على حماية القاصرين وتأطيرهم.
ورغم ذلك، فإن المقاربة الأمنية، مهما كانت ضرورية، تبقى غير كافية لوحدها. فتعزيز الحضور الأمني يجب أن يوازيه إصلاح تربوي واجتماعي عميق.
خلاصة القول،لسنا أمام أزمة واحدة، بل أمام ثلاث أزمات متداخلة:أزمة اقتصادية تُفقد الأمل،وأزمة اجتماعية تُضعف التأطير،وأزمة أخلاقية تُربك القيم.وكما قال الفيلسوف فريدريك نيتشه:”من يحارب الوحوش، عليه أن يحذر أن لا يتحول هو نفسه إلى وحش.”وهو تنبيه إلى أن معالجة العنف يجب أن تتم بحكمة، لا بردود فعل قد تزيد الوضع تعقيدًا.
.

