Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id=195]
رأي

من آداب مقابلة الحكام والولاة احترام المناصب والمقامات الاعتبارية صيانة لهيبة الدولة

أخبار تساوت: موسى عزوزي

تحفل الآداب السلطانية من خلال الكتب والمصنفات التي تمثل التراث السياسي العربي الإسلامي بمجموعة من الضوابط والأخلاقيات التي تنظم العلاقة بين الحكام والنخبة والمجتمع ومن أهم القواعد السلوكية مسألة احترام مناصب الدولة والمقامات الاعتبارية لما لها من مكانة جوهرية فهي لا تُعتبر مجرد مجاملة اجتماعية، بل هي ركن من أركان استقرار الدولة وهيبتها.

ذلك أن المقام الاعتباري يعني أن الاحترام لا يوجه فقط لشخص الحاكم أو المسؤول كبشر، بل للمنصب الذي يمثله، في كتاب: “الإشارة إلى أدب الإمارة” للمرادي يرى أن توقير أصحاب المناصب هو توقير للنظام العام، فإذا سقطت هيبة المسؤول في أعين العامة، سقطت قدرته على تنفيذ القانون.

وكان محمد بن الحسن الحضرمي المعروف بالمرادي، والذي عاصر المرابطين في القرن الخامس الهجري دقيقاً في تفاصيل التعامل مع أصحاب المقامات فقد ركز على أدب الاستماع، حيث من تمام احترام المقام ألا تقاطع صاحب المنصب وهو يتحدث، حتى لو كنت تعرف ما سيقوله، لأن “المقام يقتضي الإنصات لا المماراة”.

واحترام المسافة المكانية إذ حذر من “التبسط” المخل؛ أي ألا يقترب الشخص جسدياً من صاحب المقام بطريقة توحي بالندية، بل يحافظ على مسافة تعكس الاحترام.

كما شدد على استخدام الألقاب والمخاطبة بصيغة الجمع أو التعظيم (مثل: “رأيكم السديد”، “توجيهاتكم”)، ليس نفاقاً، بل صيانةً للمنصب. وفي كتاب «الأدب الكبير” لابن المقفع نقرأ مجموعة من القواعد الذهبية للتعامل مع الحكام ومن يمثلهم من ذوي المناصب حيث يقول: “لا تُدِلَّنَّ على السلطانِ بقديمِ خدمةٍ، ولا بقرابةٍ قريبَةٍ” أي لا تغتر بمنصبك أو قربك منه فتترك الأدب.

وفي حفظ الهيبة أمام الناس يحذر ابن المقفع من إظهار أي استخفاف بصاحب المقام في العلن، حتى لو كنت تختلف معه في السر، لأن ذلك يفسد هيبة الدولة.

وفي السياق نفسه يُعد كتاب “سلوك المالك في تدبير الممالك” لابن أبي الربيع من أدق الكتب التي تناولت “تراتبية الهيبة” واحترام المقامات الاعتبارية، بل إنه وضع نظاماً شبه هندسي لتوزيع المراتب داخل الدولة. حيث يرى أن استقامة الملك لا تتم إلا بـحفظ “نظام المراتب”؛ أي أن يعرف كل فرد (من الوزير إلى الجندي) قدره وقدر غيره. إلى درجة أنه يربط بين احترام المنصب وبين “بقاء الملك” إذ يرى أن كسر بروتوكول المقامات يؤدي إلى “الاجتراء”، والاجتراء يؤدي إلى “الفوضى”.

لذا، فإن احترام صاحب المنصب (كالوزير أو القاضي) ليس لشخصه فقط، بل لأنه “نائب السلطان”، ومن أهان النائب فقد استخف بالمنوب عنه.

وقد خصص ابن أبي الربيع فصولاً لشروط اختيار “أركان الدولة”، وأكد على حقوقهم البروتوكولية: ومن ذلك التوقير العلني مادام السلطان نفسه يوقر وزراءه أمام العامة، لأن توقيرهم يرفع من قيمة “أمره” الذي ينفذونه. مع ضرورة تمييز أصحاب المقامات في مجالس الحاكم بمكان الجلوس، ونوع اللباس، وطريقة الخطاب، ليعرف الناس “مراتب الرجال”.

وقد وضع ابن أبي الربيع قواعد صارمة للمواجهة مع ذوي المقامات العليا: ومنها أدب النظر، حيث يحذر من “تحديق النظر” في وجه الحاكم أو ذوي المناصب الكبرى، ويعتبره نوعاً من قلة الهيبة، بل يجب أن يكون النظر فيه وقارا وغضّ طرف.

كما تطرق لأدب الكلام حيث ينهى ابن أبي الربيع عن “المساواة في الخطاب”؛ فلا يجوز مخاطبة صاحب المقام بصيغة المخاطب الفردية البسيطة، بل بكلمات التفخيم التي تليق بمنصبه الاعتباري.

ويزيد على ذلك المبادرة بالسلام من خلال تفاصيل دقيقة لمن يسلم على من، وكيف تكون إيماءة الاحترام عند الدخول، بحيث تظهر “ذلة التواضع” مع “عزة النفس”.

ومن القواعد المهمة في كتاب ابن الربيع قاعدة “المكان والمكانة” أو ما يمكن تسميته ب “هندسة المجلس”، حيث اعتبر أن القرب المكاني من الحاكم هو “تشريف” للمقام. وأن تخطي صاحب الرتبة الأدنى لمكان صاحب الرتبة الأعلى يعتبر “خرقاً لتدبير المملكة”.

وبذلك يعد المقام الاعتباري عند ابن الربيع بمثابة “الخيط” الذي يربط حبات العقد في الدولة؛ إذا انقطع وساد الاستخفاف بالمناصب، انفرط عقد الدولة بالكامل

. إن حرمة المقامات في الآداب السلطانية تعد الركيزة التي تمنع تحول الدولة إلى فوضى، وهي تقوم على قناعة بأن احترام المنصب هو احترام للنظام العام وليس مجرد تقديس للأشخاص فالسلطة لا تمارس بالقوة العضلية، بل بـ “الهيبة” التي يزرعها المقام في القلوب.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.