بقلم:رشيد الحبوبي فاعل في التنمية المحلية
أقدمت عمالة إقليم قلعة السراغنة، مع شركائها، على تنظيم ملتقى للاحتفاء بالمرأة القروية: يومي 15 و16 أكتوبر2025 بقصر المؤتمرات؛ حسب البلاغ الصحفي الموزع على وسائل الاعلام ، وهي مناسبة تخلد سنويا من طرف الأمم المتحدة منذ اقرارها سنة 2007 .
وبناء على الأدوار الطلائعية للمرأة، في تحسين الوضعية الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية؛ سواء داخل البنية الاسرية، أو المجتمعية. فإن اختيار موضوع “المرأة القروية فاعلة في التنمية المستدامة والابتكار الاجتماعي ” تحتسب للسيد عامل الإقليم.
إن هذا المطلب المؤسساتي لتأهيل المرأة بإقليم قلعة السراغنة، كان مطلبا لبعض الفاعلين المؤسساتيين وعلى رأسهم رئيس قسم العمل الاجتماعي منذ حوالي سنة 2010.
لكن المبادرة لم تجد من يحتضنها مؤسساتيا، عبر وضع برتوكول، أو اتفاقية اطار، أو اتفاقية شراكة، رغم توفر الشروط الموضوعية لانخراط جميع الفاعلين المحليين آنذاك؛ خصوصا أن الاقليم كان يشتغل به 25 وكيلا للتنمية المحلية ضمن برنامج دعم الجماعات الترابية لإعداد مخططات جماعية للتنمية الترابية، ضمن شراكة بين المديرية العامة للجماعات المحلية DGCL، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية INDH، ووكالة التنمية الاجتماعية ADS؛ إذ تم انجاز تشخيص تشاركي اعتمد منهجية علمية تضع في محورها الأساسي التحليل الديموغرافي بالاعتماد على المعطيات الإحصائية الرسمية، والمحينة، بناء على فرضيات متعلقة بمد الهجرة( الداخلية الاستقطاب/ الخارجية النفور / التراقص أي الذهاب للعمل في الصباح والعودة للمبيت مساء) هذه المعطيات وغيرها مكنت من إنجاز تشخيص دقيق أفرز لنا واقع الحال بالجماعات الترابية والإمكانات التي يزخر بها توج ببلورة رؤى استراتيجية حول نسق اشتغال المجال وفق مقاربة تشاركية تعتمد التخطيط الاستراتيجي، وتضع الانسان كمحور مركزي في التنمية المجالية.
وبناء على بعض الدراسات السوسيولوجية حول المرأة القروية، انجزها فريق عمل تحت اشراف الباحث السوسيولوجي ادريس بن سعيد مع شركاء آخرين تبين أن المرأة بالإقليم هي أول من يستيقظ، وآخر من ينام، وتقوم بالأعمال المنزلية وكذا الاعمال المرتبطة بالاقتصاد العائلي أو المعيشي سواء تربية الأغنام، والابقار، او الاشتغال بالحقول وعند استفسارها عن طبيعة العمل الذي تقوم به كان جوابها لا شيئ وهو وعي جمعي متراكم، حسب الانتربولوجيين، بفعل عوامل تاريخية، نتيجة اقصاءها من حق التملك في أراضي الجموع أو مايسمى “بالشياع” -غالبية الأراضي بالاقليم ملك جماعي- وهو واقع حال جميع النساء بالعالم القروي فجميع الاشغال التي تقوم بها تنسب للزوج أو الاب أوالابناء.
هذا الواقع التقليدي يفرض على الجهات المعنية أن تقوم بتثمين قدرات النساء وطاقاتهن الهائلة في القدرة على الخلق والابداع والابتكار، لو اتيحت لهن الإمكانات والمؤهلات، وحتى الدراسات المنجزة سواء من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو الجهات المانحة أي مصادر التمويل بينت أن مؤشرات تحقق المشاريع التنموية ترتفع في صفوف النسا ء، مقارنة مع الرجال، كما ان مداخيل النساء تصرف على افراد الاسر، وبالتالي فلا تنمية بدون تنمية المرأة لأنها فعلا هي الرافد الأساسي لتحقيق العدالة المجالية والتنمية المستدامة؛د.
وعليه، فدور الجامعة مهم على المستوى النظري والمعرفي عبر القيام بدراسات وبحوث ميدانية من طرف الطلبة الباحثين وتاطير ندوات وموائد مستديرة ولقاءات كما هو حال هذا اللقاء، لكن لابأس أن يتم استثمار هذا الملتقى في تحفيز الطالبات على الانخراط في مبادرات محلية للتشغيل الذاتي، ولعل في بناء تعاونيات نسائية محفز قوي لهن خصوصا أن العمل التعاوني يتدخل في جميع الشأن الانساني باستثناء الشأن الديني والسياسي، مثلا تعاونية للنقل الأموات، أو تعاونية للأفراح والحفلات، أو تعاونية للإعلام والاتصال أو تعاونيات قرائية للتربية والتكوين.. ولما لا تعاونيات نسائية للاستشارة القانونية والمحاسباتية، أو مهنية لفائدة خريجي التكوين المهني، أو تعاونيات لخدمات الرعاية الاجتماعية (هناك حوالي 18 مهنة جديدة) إلى جانب المبادرات الفردية حتى تتمكن الطالبات الحاصلات على شواهد عليا، أو خريجات التكوين المهني، من إيجاد فرص للشغل. وبالتالي تحسين وضعهن الاقتصادي والاجتماعي وما أحوج نساء إقليم قلعة السراغنة إلى هذه المبادرات. كما يجب التذكير بأن المجال يزخر بمؤهلات وإمكانات هائلة خصوصا في صفوف النساء؛ ومثالا على ذلك من خلال اشتغالنا كوكيل للتنمية بكل من جماعة بويا عمر وواركي وجماعة سيدي عيسى بن سليمان والاشتغال بجماعات أخرى ضمن فريق للدعم والمواكبة الميداني، اكتشفت نساء قرويات يقمن بتدوير المخلفات الصلبة مثل القارورات والمصابيح الزجاجية بواسطة المتلاشيات من الاسلاك الكهربائية ضمن لوحات فنية جميلة، وأيضا الطرز على الاغطية والافرشة بمهنية عالية لكن المستفيد طرف آخر يسوق المنتوج بطنجة. ومثال آخر صناعة القصب جميع صناع هذا النوع ينحدرون من دوار أولاد خالد بجماعة سيدي عيسى بنسليمان، أكثر من هذا برنامج صنعة بلادي الذي كانت تقدمه القناة الثانية 2M، جميع ممثلي المدن ينحدرون من قلعة السراغنة ولا ممثل عن هذا الإقليم؟ في حين واقع الحال أن مجموعة من النساء تمارس مهنة صناعة القصب لأنها مهنة عائلية، تمارس داخل الاسر، وعمل المرأة غير مرئي كما هو حال الفلاحة وباقي الاشغال التي تقوم بها النساء بالاقليم؛ هناك أيضا صناعة الدوم، بالإضافة إلى انتشار ظاهرة تكسير اللوز إذ يتم جلبه من أمريكا اللاتينية أو دول أخرى من طرف مستوردين مباشرة إلى جماعة لمزم صنهاجة بدون تثمين مجهود النساء المكلفات بهذا العمل.
هناك عدة فرص، وإمكانات، متاحة كفيلة بتحقيق طفرة نوعية نحو تحقيق العيش الكريم لو تضافرت جهود جميع المتدخلين وخصوصا الجهات المعنية. كما أن تحقيق تمكين اقتصادي للنساء القرويات، سينعكس على مستوى تطور العقليات وبالتالي تبني مقاربات جديدة ليس مقاربة النوع فقط بل مقاربة حقوقية، ومقاربة بيئية، ومنها عدم رمي المخلفات المنزلية داخل قنوات المياه، كما هو واقع في الدواوير التي تمر منها تلك القنوات والتي قد تستخدم للشرب، إلى جانب الترشيد في الاستعمال أمام ندرة المياه…ما العمل؟
أكيد أن هذا اللقاء تكمن أهميته في الاعداد القبلي للتشخيص، من خلال التوصيات أو المداخلات التي سيتم تقديمها ضمن محور المائدتين المستديرتين واللتين تتطلبان وجود مقررين لهما، ولا بأس أن يتم فتح نقاش حتى حول الفيلم السنيمائي باعتبار السينما أداة قوية في التوعية والتحسيس.
لكن العمل الفعلي لتحقيق تنمية مستدامة وناجعة وذات مردودية وفعالية، يتطلب وضع اتفاقية إطار، لا تتضمن التزامات مالية للشركاء بل فقط الخبرة ونخص بالذكر الوكالة الوطنية للتشغيل والكفاءات، غرفة التجارة والصناعة والخدمات، المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغدائية، مكتب تنمية التعاون، ومؤسسات تنموية أخرى كوكالة التنمية الاجتماعية التي تتوفر على خبراء ميدانيين في التكوين والمواكبة، والتتبع، بالإضافة الى متدخلين آخرين مثل الصحة والتعليم وقطاعات أخرى حسب طبيعة ومجالات التدخل .
كيف يتم ذلك؟ عبر انجاز تشخيص دقيق عبر تقنيات الاستمارة أو المقابلة أو المجموعات Focus groupe يهم التعاونيات الموجودة أولا لتحديد نقط القوة والضعف قصد بلورة مخطط لتقوية قدرات التعاونيات الموجودة، عبر دورات تكوينية، ومرافقة ومواكبة ميدانية لكل تعاونية ضمن فريق عمل ميداني، وأيضا زيارة تبادل لمناطق أخرى قصد الاستفادة من تجارب ناجحة، موائد مستديرة، ندوات، ومنتديات، ولما لا طلب مشاريع لفائدة التعاونيات الشريكة ضمن برنامج ما؛ هذا الوضع يسري أيضا على النساء حملات مشاريع مدرة للدخل والخالقة لفرص الشغل.
*رشيد الحبوبي فاعل في التنمية المحلية.

