إن المسؤولية أمانة ثقيلة تنوء بحملها الجبال، ففي الماضي، كان الناس يفرون منها، فكثيرون رفضوا تولي الإمارة، والقضاء.. ليس بسبب عدم القدرة على تكاليفها أو عجزا عن أدائها وإنما خشية من تبعاتها وتداعياتها، وكما جاء في الحديث”إنها أمانة ويوم قيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها”.
أما اليوم فبعد التحولات الكبيرة التي وقعت في حياة الناس، أصبحت مطلوبة، تشرئب إليها النفوس، وتهفو إلى القلوب، فيسعى إليها الراغبون ويترشحون، ويصرفون من أجلها أموالا طائلة، ويمارس أغلبهم المكر والخداع، ويكذبون ويفترون على خصومهم، ويطلقون الدعايات والإشاعات من أجل تشويه سمعتهم.. ويجندون الطبالة والغياطة لتلميع صورتهم.. إن من يترشح لهذه الأمانة رغم ثقلها، عليه أن يقبل بتبعاتها وسلبياتها، فكما يقول المثل المغربي الشعبي: “اللي بغى لعسل يصبر لقريس النحل”.
فالمسؤولية تجعله عرضة للنقد البناء والهدام، ولاتهامات بالفساد.. وحياته وحياة اسرته، لم تعد ملكا له وحده بل أصبحت مشتركة، فلا يتوهمن أحد أنه سيكون بعيدا عن النقد، فلا أحد على مر التاريخ سلم من ألسنة الناس، ولهذا فعلى المسؤول التحلى بالرصانة والحكمة والتبصر، والابتعاد ما أمكن عن ردود الفعل الغاضبة والمتسرعة ووصف المنتقدين بأوصاف غير لائقة..
وإذا ما أراد أن يرد أو يوضح، فليفعل ذلك بالحجة والبرهان، وليس بالكلام المنمق والجميل، فكثر من يتقنون الكلام لكنهم لا يتقنون، فسحر الكلام سرعان ما يبتبخر ولا يبقى إلا أثر العمل.
ينسب إلى ابن حزم الأندلسي قول: “من تصدر لخدمة العامة، فلا بد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس، لأنه لا محالة مشتوم، حتى وإن واصل الليل بالنهار”، فهذه المقولة تعني أن من اختار أن يتولى خدمة العامة، فعليه أن يتحلى بالصبر عليهم، ويتحمل انتقاداتهم وإساءاتهم، واتهماتهم الباطلة.. حتى وإن عمل بتفان وإخلاص. فالناس لا ترحم.
قال سارتر: “الحجيم هم الآخرون”. إن من يضيق صدره بالنقد ولا يقبل به، فما عليه سوى أن يبقى في بيته، ويسد عليه بابه.إن المدهش، أننا نتفنن في انتقاد الآخرين بحق وبغير حق، لكن ما إن يطالنا النقد ويستهدفنا حتى نغضب ونثور، وقد نسينا أو تناسيتا الانتقادات التي وجهناها للاخرين.
فالأيام دول، فمن كان يدبر بالأمس يعارض اليوم، والعكس صحيح. فلا شيء يدوم.

