بقلم ذ :صلاح رشيد
مع اقتراب نهاية كل موسم دراسي، تبدأ الاستعدادات على قدم وساق. تُنصب الأضواء، وتُجهّز المسارح، وتُرسل الدعوات للأهالي الفخورين لرؤية “إبداعات” أبنائهم. لكن ما نراه في الغالب الأعم هو مشهد متكرر ومؤسف: وصلات رقص يؤديها التلاميذ والتلميذات على أنغام أغانٍ استهلاكية، غالبًا ما تكون غريبة عن بيئتهم الثقافية، وذات مضامين سطحية لا تحمل أي قيمة تربوية. وهنا يطرح السؤال الصارخ نفسه، والذي يبدو أن القائمين على هذه المؤسسات يتجاهلونه عمدًا: ما المغزى من هذه الرقصات؟ وأية رسائل تريد هذه المدارس إيصالها؟هل الرسالة هي أن النجاح يُختزل في القدرة على هزّ الجسد وتقليد حركات فنانين ومؤثرين؟
هل تريد هذه المدارس أن تقول للأهالي والمجتمع إن غاية التربية هي إنتاج أجيال مستهلكة للثقافة التجارية، لا منتجة لها؟ إن هذا التركيز المفرط على الرقص الاستعراضي، الذي تحول إلى ما يشبه المنافسة بين المدارس، يفرّغ الحفل من أي مضمون حقيقي ويحوّله إلى مجرد استعراض للأزياء والمظاهر. منتوج المؤسسة: هل هو راقص أم مفكر؟إن الإجابة عن السؤال الاستنكاري
“أليس الهدف من حفلات نهاية السنة هو إظهار منتوج المؤسسة في متعلميها؟” تكشف عن أزمة عميقة في فهم الدور التربوي للمدرسة. نعم، الحفل يجب أن يكون واجهة لعرض “المنتوج”، ولكن أي منتوج؟ هل هو منتوج قادر على التعبير عن نفسه بلغة سليمة؟ هل هو فرد يمتلك شخصية متوازنة، وذوقًا فنيًا رفيعًا، وقدرة على التفكير النقدي؟ أم هو مجرد جسد مدرب على أداء حركات آلية؟
إن الثمرة الحقيقية التي يجب أن تجنيها المدرسة وتفخر بها في نهاية العام هي عقل التلميذ وشخصيته. هي قدرته على الوقوف على خشبة المسرح ليلقي قصيدة شعرية معبرة، أو ليؤدي دورًا في مسرحية هادفة تعالج قضية اجتماعية أو تاريخية. هي ثقته بنفسه وهو يقدم خلاصة مشروع علمي عمل عليه طوال شهور، أو وهو يشارك في مناظرة فكرية راقية.
هذه هي المهارات التي تدل على أن العملية التعليمية قد أثمرت بالفعل.البديل التربوي: من الاستعراض إلى الإبداعإن النقد الموجه لهذه الحفلات لا يعني الدعوة إلى إلغائها، بل إلى تصحيح مسارها لتصبح ذات طابع تربوي وترفيهي هادف في آن واحد. فالمدرسة التي تحترم رسالتها هي التي تحوّل حفلها السنوي إلى فرصة حقيقية لإبراز المواهب الكامنة وصقلها، ومنصة للإبداع الحقيقي.
وفيما يلي بعض البدائل التي تغني الحفل وتجعله مرآة صادقة للعمل التربوي:
• المسرح المدرسي: يعد المسرح “أبا الفنون” وأداة تربوية فعالة لتنمية شخصية الطالب من كل الجوانب. فهو ينمي قدراته اللغوية، ويخلصه من الخجل والتردد، ويعزز لديه روح العمل الجماعي، ويفتح آفاقه على قضايا إنسانية عميقة.
• العروض العلمية والمشاريع: لماذا لا يتم تخصيص ركن في الحفل لعرض المشاريع العلمية والأدبية المبتكرة التي أنجزها التلاميذ خلال العام؟
• الأمسيات الشعرية والكورال المدرسي: تقديم قصائد وأغانٍ وطنية أو تراثية أو عالمية راقية يعزز لدى التلاميذ الذائقة الفنية والارتباط بهويتهم وثقافتهم.
•المناظرات والعروض التقديمية: إتاحة الفرصة للطلاب الأكبر سنًا لتقديم عروض حول مواضيع تهمهم أو المشاركة في مناظرات قصيرة تظهر قدرتهم على الحوار والإقناع.
في الختام، إن حفلات نهاية السنة الدراسية هي بالفعل مناسبة للفرح والاحتفال بالإنجازات، ولكن يجب ألا يتحول هذا الفرح إلى سطحية تسيء إلى وقار المؤسسة التعليمية. إنها فرصة ثمينة ومسؤولية كبرى تقع على عاتق المدارس لتحويل هذه الاحتفالات من مجرد “استعراضات راقصة” فارغة إلى مهرجانات حقيقية تحتفي بالعلم والفن والفكر، وتُظهر للعالم بكل فخر واعتزاز الثمرة الحقيقية لجهد عام كامل: تلميذ مبدع، مفكر، وفاعل في مجتمعه.
