✍️ صالح رشيد
زملائي الأستاذات، زميلاتي الأساتذة،في خضم عملنا اليومي النبيل، وضغط المسؤوليات، قد نجد أنفسنا أمام مواقف تبدو بسيطة في حينها، لكنها قد تتحول إلى كابوس يهدد استقرارنا المهني.
اليوم، سنتحدث عن فخ شائع، لا يراه إلا من اكتوى بناره: فخ التعليمات الشفوية.سيناريو من الواقع: قصة الأستاذ “عادل”لنتخيل معاً الأستاذ “عادل”، أستاذ كفؤ ومشهود له بالجدية. في أحد الأيام، يستدعيه السيد المدير إلى مكتبه. بعد حديث ودي عن مصلحة التلاميذ وضرورة الرفع من نسبة النجاح بالمؤسسة، يهمس له المدير قائلاً: “أستاذ عادل، أنت تعرف مكانتك عندنا. هناك بعض التلاميذ في قسمك، أولاد أصدقاء لنا، يحتاجون فقط لدفعة بسيطة في نقطة المراقبة المستمرة لينجحوا. الأمر بيني وبينك، ونحن نثق في حكمتك لتدبير الأمر.”الأستاذ “عادل”، من باب “حسن النية”، ورغبة في عدم إحراج المدير الذي يثق فيه، يقوم “بتعديل” بسيط للنقط. بعد أسابيع، تصل شكاية من ولي أمر تلميذ آخر لم ينجح، يتهم فيها الأستاذ بالمحاباة والتلاعب بالنتائج.
تُرسل لجنة تفتيش للتحقيق.عندما يُسأل المدير عن الأمر، تكون إجابته صادمة: “أنا لم أصدر أي تعليمات من هذا النوع. الأستاذ هو المسؤول الوحيد عن تقييم تلاميذه، وأنا أستنكر أي مساس بمصداقية النتائج.
المسؤولية كاملة يتحملها الأستاذ.”يجد الأستاذ “عادل” نفسه وحيداً في مواجهة مجلس تأديبي، لا يملك أي دليل على أن ما قام به كان بناءً على “تعليمات شفوية”. الدليل المادي الوحيد الموجود هو ورقة النقط التي تحمل توقيعه، والتي تثبت “تلاعبه” بها.ماذا يقول القانون والمنطق الإداري؟قصة “عادل” ليست من نسج الخيال، بل هي واقع يتكرر. والقانون الإداري واضح في هذه النقطة:
1. المسؤولية الإدارية شخصية: كل موظف مسؤول مسؤولية شخصية عن قراراته وأفعاله. “أمرني رئيسي” لا تصلح كدفاع قانوني إذا كان الأمر مخالفاً للقوانين والتراتيب الجاري بها العمل. أنت من وقّع، إذن أنت من يتحمل المسؤولية.
2. عبء الإثبات: في القانون، من يدّعي شيئاً عليه إثباته. التعليمات الشفوية، بحكم طبيعتها، تتبخر في الهواء ولا يمكن إثباتها. الطرف الذي أصدرها يمكنه إنكارها بسهولة، تاركاً المنفذ وحيداً أمام الأدلة المادية.
3. الأثر الكتابي هو الحصن المنيع: الإدارة لا تعترف بالنوايا الحسنة ولا بالاتفاقات الودية، بل بالوثائق. البريد الإلكتروني، المراسلة الداخلية، محضر اجتماع، طلب موقع… هذه هي لغة الإدارة، وهي درعك الواقي.خلاصة القول: كيف تحصّن نفسك من هذا الفخ؟
هذه النصائح ليست لخلق جو من الشك، بل لبناء علاقات مهنية صحية وواضحة تحمي الجميع.. اطلب الأثر الكتابي بلباقة وذكاء: إذا طُلب منك القيام بأمر تراه حساساً أو غير واضح، لا ترفض بشكل مباشر. استخدم أسلوباً مهنياً لتوثيقه.
مثال: بعد الاجتماع، أرسل بريداً إلكترونياً (إيميل) مهنياً للمدير: “السيد المدير، تحية طيبة. للتأكيد فقط على ما دار في حديثنا اليوم بخصوص (موضوع الطلب)، سأقوم باتخاذ الإجراء (كذا وكذا) بناءً على توجيهاتكم. المرجو إخباري إن كان هناك أي تعديل أو سوء فهم من جانبي.” النتيجة؟ إما أن يرد المدير بالتأكيد (وهنا أصبح لديك أثر كتابي)، أو يتجاهل الرسالة (وهو ما يجعلك في موقف أقوى إذا أنكر لاحقاً)، أو يتصل بك ليطلب منك عدم إرسال مثل هذه الرسائل (وهذه علامة حمراء كبيرة على أن الطلب كان فخاً).. استخدم “طلب التوضيح” كسلاح: إذا كان الطلب غامضاً، اطلب توضيحاً كتابياً. مثال: “السيد المدير، بخصوص الموضوع…، هل يمكن تزويدي بمذكرة توجيهية أو توضيح كتابي يحدد المساطر الواجب اتباعها لضمان سلامة الإجراء؟” هذا يظهرك بمظهر الحريص على تطبيق القوانين، وليس المتمرّد..
اعرف خطوطك الحمراء: هناك تعليمات لا تحتاج لتفكير (التلاعب بالنقط، تزوير الغياب، إخراج تلميذ بشكل نهائي دون مجلس انضباطي…).
هذه ترفضها بلباقة وحزم: *”أعتذر سيدي، لكن هذا الإجراء يتعارض مع أخلاقيات المهنة ومسؤولياتي القانونية، ولا يمكنني القيام به.”
زملائي الأعزاء،مهنتنا أمانة، وحماية أنفسنا جزء من الحفاظ على هذه الأمانة. لا تضعوا ثقتكم العمياء في كلمة عابرة قد تكلفكم مساركم المهني. اجعلوا “الأثر الكتابي” مبدأكم المقدس في كل تعاملاتكم الإدارية.
