رأي

المهارات الناعمة في حلتها الإسلامية: عندما تكون الفوضى عند باب المسجد مؤشراً على أزمة أعمق

✍️ صالح رشيد

في خضم حديثنا المعاصر عن التنمية البشرية ومتطلبات سوق العمل، برز مصطلح “المهارات الناعمة” (Soft Skills) كعنوان للرقي المهني والاجتماعي. وتشمل هذه المهارات قدرات مثل التواصل الفعال، والعمل الجماعي، والذكاء العاطفي، والتنظيم، وحل المشكلات. لكن بينما نتعامل مع هذا المفهوم وكأنه اكتشاف حديث، تغيب عن أذهاننا حقيقة أن أصول هذه المهارات متجذرة بعمق في تراثنا وقيمنا الإسلامية، فالمشاهد التي نراها تتكرر، كالأحذية المبعثرة عند أبواب المساجد أو الفوضى في تنظيم الصفوف، ليست مجرد مخالفات بسيطة للذوق العام، بل هي أعراض لغياب استيعاب هذه المهارات الإيمانية الأصيلة.

شيء مؤكد أن مشهد الأحذية المتراكمة بشكل فوضوي عند مدخل المسجد يوم الجمعة، هو أكثر من مجرد منظر غير حضاري، إنه مؤشر على غياب مهارة “التنظيم” و”الإحساس بالآخرين”. لقد جاء الإسلام كدين للنظام والجمال، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: **”إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ”**. وهذا الجمال لا يقتصر على المظهر الشخصي فحسب، بل يمتد ليشمل كل ما يحيط بالمسلم، فتنظيم المرء لنعليه في مكان مخصص لا يعيق المارة ولا يشوه المنظر هو تطبيق عملي لهذا الحديث، وهو من أبسط صور “النظافة” التي اعتبرها الإسلام جزءاً من الإيمان.علاوة على ذلك، يرتكز السلوك الإسلامي على قاعدة ذهبية وهي “لا ضرر ولا ضرار”، وهو حديث نبوي يمثل دستوراً في العلاقات الاجتماعية.

فترك الأحذية بشكل عشوائي قد يسبب ضرراً للآخرين، كعرقلة كبار السن أو تلويث الجوارب والمكان المخصص للصلاة، وهذه الممارسة البسيطة – وضع الحذاء في مكانه – هي في جوهرها مهارة ناعمة تجمع بين التنظيم الشخصي، واحترام المساحة المشتركة، وتطبيق مبدأ كف الأذى عن الناس، وكلها قيم إسلامية رفيعة.

أما الظاهرة الثانية، وهي الجلوس في المسجد – يوم الجمعة تحديدا – بشكل متفرق ومتباعد مما يضيع مساحات كبيرة ويجبر الكثيرين على الصلاة في الخارج تحت حر الشمس، فتعكس غياب مهارات “الوعي المكاني” و”العمل الجماعي” و”الإيثار”.

لقد شددت التعاليم الإسلامية بشكل لا مثيل له على أهمية تسوية الصفوف والتراص فيها، ولم يكن الأمر مجرد تنظيم شكلي، بل هو رمز لوحدة القلوب وتآلفها. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاةِ”، والأمر يتجاوز ذلك إلى التوجيه القرآني المباشر الذي يحث على الإفساح في المجالس كدليل على الإيمان والرحمة. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (سورة المجادلة، الآية 11). هذه الآية الكريمة، التي نزلت في سياق مجالس النبي صلى الله عليه وسلم، تحمل في طياتها مبدأً اجتماعياً عظيماً: أن يوسع المسلم لأخيه، وأن يؤثره على نفسه، وأن يكون جزءاً من كلٍ متراص ومتعاون.من هنا فالتراص في الصفوف وسد الفرج ليس مجرد كسب لمزيد من الحسنات، بل هو تدريب عملي على مهارة الشعور بالآخرين، والتضحية بالراحة الشخصية من أجل مصلحة الجماعة، وهو لب الأخوة الإيمانية.

وهنا نقول أن “المهارات الناعمة” ليست مصطلحاً غربياً مستورداً يجب أن نتكلفه، بل هي جزء لا يتجزأ من شخصية المسلم التي أرادها الإسلام: شخصية منظمة، نظيفة، تشعر بالآخرين، متعاونة، ومحبة للجمال والنظام، والسلوكيات التي نراها اليوم في مساجدنا وغيرها من الأماكن العامة، ما هي إلا انعكاس لمدى ابتعادنا عن التطبيق العملي لهذه القيم الإيمانية العظيمة.

وييقى السؤال: ما الحل؟ الحل لا يكمن في محاضرات نظرية، بل في العودة إلى التربية الإيمانية التي تجعل من هذه السلوكيات عبادة نتقرب بها إلى الله، أن نُعلّم أبناءنا أن تنظيم الحذاء عند باب المسجد هو من شعب الإيمان لأنه تطبيق لحديث “النظافة من الإيمان” و”إن الله جميل يحب الجمال”.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.