بقلم: صالح رشيد
مرة أخرى، استيقظ المغرب على وقع فاجعة كانت معالمها مرسومة في الأفق، تنتظر فقط ساعة الصفر لتتحول إلى حقيقة دامية.
فاجعة “التريبورتور” بقلعة السراغنة، التي حصدت أرواح ثمانية أشخاص من عائلة واحدة كانوا في رحلة بسيطة انتهت في قاع وادٍ، لم تكن مجرد حادثة سير عابرة، بل كانت إعلاناً صارخاً عن فشل منظومة بأكملها.
وكما هي العادة في كل مأساة وطنية، ما إن جفت دموع الأهالي حتى انطلقت المسرحية المعتادة: جوقة المنددين من برلمانيين، وجمعيات حقوقية، ومنظمات المجتمع المدني، يخرجون ببيانات نارية، وأسئلة برلمانية عاجلة، وتصريحات إعلامية تشجب وتستنكر وتطالب بفتح تحقيق.
هذا الصخب الذي يعقب كل كارثة، على الرغم من نبله الظاهري، إلا أنه في جوهره يمثل قمة العبث ودليلاً على إفلاس الدور الحقيقي لهذه الهيئات.
إنه ليس أكثر من ردة فعل متأخرة، ومحاولة لتسجيل موقف في سجل الحضور الإعلامي، بعد أن وقع المحظور وسُفكت الدماء. السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، والذي نخجل من طرحه في حضرة الموت، هو: أين كنتم جميعاً قبل الفاجعة؟
إن الدور الحقيقي للبرلماني، وللمجتمع المدني، وللحقوقي، ليس أن يكون معلقاً على الأحداث أو نادباً على الأطلال.
دورهم الأساسي، الذي من أجله منحهم المجتمع ثقته ودعمه، هو “استشراف المخاطر وتحليل الواقع ودق ناقوس الخطر قبل وقوع الكارثة”.
إن قيمتهم لا تقاس بقوة بيانات الشجب، بل بعدد الكوارث التي نجحوا في منعها بصمت ودون ضجيج.
ظاهرة “التريبورتور” التي تحولت من وسيلة لنقل البضائع إلى نعش متحرك لنقل البشر، خاصة في المناطق القروية والنائية، ليست وليدة الأمس.
إنها قنبلة موقوتة تجوب شوارعنا وقرانا منذ سنوات، شاهدة على غياب بدائل النقل الكريم، وعلى التهميش الاقتصادي الذي يجبر الناس على المخاطرة بحياتهم، وعلى فراغ تشريعي وتنظيمي صارخ.
هل كانت هذه الظاهرة خفية عن أعين البرلمانيين في جولاتهم الانتخابية؟ هل كانت غائبة عن تقارير الجمعيات التي تدعي أنها “قوة اقتراحية” و”صوت من لا صوت له”؟
بالطبع لا. المشكلة لم تكن في غياب المعلومة، بل في غياب الإرادة. فالانشغال بالوقاية والتشريع الاستباقي عمل شاق، غير مربح سياسياً، ولا يجذب أضواء الكاميرات.
من الأسهل بكثير انتظار وقوع المأساة، ثم الظهور بمظهر البطل الحزين الذي يطالب بالعدالة للضحايا. إنه استثمار سياسي وإعلامي في المآسي، يقتات على أوجاع الناس.إن المسؤولية الحقيقية تتطلب عملاً ميدانياً دؤوباً، ودراسات معمقة للظواهر الاجتماعية الخطيرة، وضغطاً مستمراً على الحكومات والجهات المسؤولة لوضع سياسات وقائية.
كانت المسؤولية تقتضي من النائب البرلماني ألا يكتفي بسؤال شفوي بعد الحادث، بل أن يقدم مقترحات قوانين لتنظيم النقل في العالم القروي، وأن يمارس دوره الرقابي على الوزارات المعنية قبل أن تتحول الطرق إلى مصائد للموت.
وكانت المسؤولية تقتضي من المجتمع المدني أن ينتقل من دور المراقب الذي يصدر تقارير سنوية، إلى فاعل حقيقي يضغط من أجل بنية تحتية آمنة وبدائل اقتصادية تضمن كرامة المواطنين.إننا أمام مفارقة مريرة: الهيئات التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول للمجتمع، أصبحت مجرد سيارة إسعاف تصل دائماً بعد فوات الأوان.
ينددون بالهشاشة وهم جالسون في مكاتبهم المكيفة، ويتحدثون عن “المغرب المنسي” الذي لم يزوروه إلا في نشرات الأخبار.فاجعة قلعة السراغنة، وغيرها من المآسي الصامتة التي تقع يومياً، ليست قضاءً وقدراً فحسب، بل هي نتيجة حتمية لصمت من كان يجب عليهم الكلام، وتقاعس من كان يجب عليهم العمل. إن المقياس الحقيقي لنجاح أي برلماني أو منظمة مجتمع مدني ليس في قدرتهم على التنديد بالموت، بل في قدرتهم على حماية الحياة.
فالمواطن لا يحتاج إلى من يبكيه بعد موته، بل إلى من يحميه من الموت أصلاً. وإلى أن نفهم هذه الحقيقة، ستظل قوافل الضحايا تسير، وستظل مسرحية الشجب والاستنكار تُعرض في كل مرة، على أنقاض حياة جديدة أُزهقت بلا ثمن.

