رأي

محمد الطالبي عضو المكتب الوطني للصحافة المغربية يكتب ل “أخبار تساوت”:قلعة السراغنة والحنين الى خبز أمي

قلعة السراغنة، تلك الرقعة المنسية من جغرافيا الوطن، لم تكن يوماً مجرد مدينة عابرة في دفاتر الإدارة، بل كانت وما زالت شاهداً دامعاً على نكبة مستمرة، تتجدد مع كل موعد رسمي، وكل وعود مؤجلة.منذ عقود، والإقليم يتوارث الإقصاء جيلاً بعد جيل. لا مشاريع تنموية تليق بتضحيات أبنائه، ولا بنية تحتية تنقذ ماء وجهه، ولا فرص حقيقية تردّ الغربة عن شبابه الذين ما إن يكبروا قليلاً حتى تحزم أحلامهم حقائب الرحيل، إما إلى المدن الكبرى أو إلى المجهول خلف البحر.هي نكبة لا صور لها، ولا لجان تحقيق، ولا صرخات على الشاشات.

نكبة صامتة، عنوانها الهجرة القسرية، البطالة، تدهور التعليم والصحة، وغياب العدالة المجالية.الإقليم الذي أهدى الوطن خيرة نسائه ورجاله، يقابل اليوم بالجحود والنسيان.

ووسط هذا الركام، تبقى نساء السراغنة أيقونات للصبر والتحدي. يربّين، يكدحن، ويقاومن العدم بإرادة لا تلين. أما الرجال، فكثيرون منهم في المنافي القسرية، أو على أرصفة المدن البعيدة، يحلمون فقط بعودة كريمة إلى أرضهم.

وإلى السيد العامل الجديد سمير اليزيدي، نهمس في أذنك كأبناء لهذه الأرض:

لقد صرنا غرباء بين ترابنا، وصرنا نحس أن الإقليم يبتعد عنا كما ابتعدت عنه التنمية. نرحب بك متمنين لك مقاما طيباً ونجاحاً في مهامك.

ونحن نعلم أنكم لستم بغريب عن ملفات التنمية، فأنتم رجل تخطيط راكم تجربة مهمة في قطاعات حكومية كبرى، وهي خبرة نحن في أمسّ الحاجة إليها اليوم، من أجل رسم مسار جديد لهذا الإقليم العالق بين التهميش والنسيان.

لكننا نذكّرك أيضاً بأن هذا الإقليم نُكئ خارج الزمن. فلا هو تحوّل إلى قطب فلاحي متكامل رغم ثروته الزراعية الواسعة وأراضيه المنبسطة، ولا صار منطقة صناعية تحيي الاقتصاد المحلي وتخلق فرص الشغل.تحول الإقليم إلى مراعي للماشية والدواجن، رغم أن في أراضيه إمكانات وتجارب ناجحة كان يمكن أن تؤسس لرؤية تنموية حقيقية.

لكنه ظل يُقصى من كل المخططات المثمرة، ويُترك على هامش السياسات الوطنية.حتى من الجوار لم يستفد الإقليم، فلم يُواكب عمرانياً ولا سياحياً ما يحدث على حدوده مع مراكش، وكأن بين المدينتين جداراً خفياً يفصل بين زمنين ومصيرين.

ولا نطلب منك، السيد العامل، سوى أن تكون صوتاً داعماً للمبادرات المجتمعية والتنموية، أن تفتح أبواب الإدارة في وجه الطاقات المحلية، وستجد آلاف المهاجرين من أبناء الإقليم، داخل الوطن وخارجه، مصطفّين إلى جانبك، داعمين لأي مجهود يُنهي هذا الشرخ وهذا الإقصاء.

نحن أبناء هذه الأرض، نعيش على الأمل رغم الألم، وعلى الصبر رغم الغبن. نحن الذين نردد مع محمود درويش:

أحنُّ إلى خبز أمي

وقهوة أميولمسة أمي…

وتكبر فيَّ الطفولةيوماً على صدر يوم

وأعشق عمري لأني

إذا متُّ، أخجل من دمع أمي.

نحن قلعة السراغنة… لهفة الأم، وصبر الأم، وحلم الأبناء الذين لم يخذلوا ترابهم، ولن يفعلوا.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.