تكسرت أشرعة مراكبنا وأصبحنا نسير على غير هدى في بحر متلاطم الأمواج والشيطان هو رباننا، هو الذي يقود مراكبنا إلى الجحيم، فبفعل *دْهَنْ السَّيْر يْسِيرْ* أصبح مجتمعنا الظالم الراشي المرتشي متخلفاً متراجعاً إلى قيم ما قبل التاريخ، وأعدنا إحياء سلالة الآلهة وسلالة العبيد، سلالة الآلهة المقدسة لها كل خيرات الوطن، هم أصحاب القرار، هم من يعرفون مصلحة الوطن بجلباب وطربوش الوطنية المزيفة، وظائف الدولة العليا لهم، المشاريع لهم، والإمتيازات لهم، أما سلالة العبيد فوظيفتهم خدمة سلالة الآلهة المقدسة والتسبيح بحمدهم، في انتظار أن ينعموا عليهم ببعض الفتات وبقايا الطعام، وكذلك بفعل *دْهَنْ السَّيْر يْسِيرْ*
اشتروا الدمادم البشرية وأصبحت المجالس بكل ألوانها تحت سيطرتهم ومقاعد البرلمان لهم ولأبنائهم وزوجاتهم، في كل استحقاق برلماني أو جماعي لا تعرف لهذه الفئات الإنتهازية منهاجاً أو جهة، تارة تجدهم مع الكلاب التي تطارد الصيد، وتارة أخرى تجدهم مع الصيد الذي تطارده الكلاب، فيتفقون معك على غيرك، ويتفقون عليك مع غيرك، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،
هذا الفضح حيث لا عقل ولا منطق هناك بيع وشراء على عينك أبن عدي لأجل مصالح شخصية فقط…الرشوة هي تدفق لجداول كثيرة من الفساد، فأينما ولّيْتَ وجهك تجد الرشوة، فبفعل *دْهَنْ السَّيْر يْسِيرْ* سقطنا في انحدار قيمي غير مسبوق في مجتمعنا، ومن معالم هذا الإنحدار انتشار الفساد والرشوة في كل المجالات الإدارية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية، وإن لم يصلح حال هذه المجالات لن يصلح حالنا، دَهَنَ لغة هو فعل ثلاثي متعد بحرف، مصدره دَهْنٌ ودِهانٌ أي طلا الشئ بمادة دهنية أو بَلَّ الأرض بماء، أي رَشَّها، وهذا المثل الدارجي *دْهَنْ السَّيْر يْسِيرْ* أو *كْحُبْ* أو *رُشّْ* مصطلحات ابتدعها المرتشون كمعنى للراشين بأن يعطوا الرشوة لقضاء حوائجهم زوراً وبهتاناً وبدون عراقيل أو *لعصا في الرويدة*
الفساد سلوك، فمن يجيز السرقة ويبررها فهو سارق حتى لو سرق درهماً واحداً، ومن يبرر الرشوة فهو مرتشي، للأسف قيم مجتمعنا فاسدة، فهم يقبلون الفساد ويقبلون الفاسد والسارق والمرتشي، وقد أدى ذلك إلى تغلغل الفساد في كل مؤسساتنا، لقد سرق الفساد ما تبقى من خشاش حلم في هذا الوطن، وأكثر الفساد يأتي من ألا تعرف حدود صلاحياتك، فتطوّح بنفسك وبالناس، وتنعتهم بالباطل لتأخذ منهم حقاً تراه لنفسك وهو زور وبهتان، وأن الرشوة التي أقعدتك على كرسي زائل وأقصت مستحقاً ستبقى سيفاً مسلّطاً عليك حتى الموت، فمن يعيش على مستوى مرتفع من الرفاهية والعيش الهني وراتبه عالٍ وتعويضاته عن الوهم ريعية وأصبحت بقدرة قادر خيالية، ويمتلك جاهاً ونفوذاً ومنصباً، هل بمقدوره أن يتحدث عن أوجاع المواطن أو يحمل هموم المجتمع الهش الفقير أو قد يزعجه هذا الحال البائس الذي وصلت إليه البلاد، لقد استأنس هؤلاء اللصوص حياة البذخ والترف والإستهلاك وأصابتهم التخمة
إذاً كيف يمكن أن نقف في وجه الفساد ونوابنا ومستشارونا وممثلونا تجار دمادم غارقون في الريع، بالتأكيد لسنا بخير وليس العيش كريماً، بل سدنة معابد الظلم والإنبطاح… عندما تعم الرشوة فاعلم أن وراء ذلك أيادي خفية وخبيثة تريد السوء والخراب، أن تصبح القرارات في يد الفاشلين سياسياً، فهذه كارثة الكوارث و أم المهازل، وحتى لا تتسيد الأمور الجدية والمهمة على المشهد، يصنعون تمويهات واهتمامات وأحداث تافهة كفقاعات إعلامية مثيرة للإنتباه، يكون مردودها مؤثراً على كثير من الناس بسبب الجهل والأمية والفقر المدقع ونهج سياسة التكليخ التي أثرت سلباً على أبناء هذا الشعب مثل: طلاق شيخة، سجن صعلوك بفضيحة، خصام لكوامنجيا، واااحسان..
.لكني أعتقد أن الفساد السياسي والفكري والأيديولوجي أخطر على البلاد من الفساد الأخلاقي، فالأول يؤثر في الناس تحت شعارات مختلفة تكون في العادة براقة ومنمقة، أما الثاني فخطره ومردوده السلبي يعود على ممارسه وعلى كثير من الجهلة المتتبعين…والخطأ الكبير الفادح الذي ارتكبته الدولة هو أنها اختارت المراهنة على الحلقة الفاسدة، والمتمثلة في نخبة تعتقد نفسها مميزة على الشعب، تُنصّب في مناصب عالية وبأجور خيالية تنهك صناديق الدولة، اختيار أتى في سياق سياسة فاشلة، وكان رهاناً خاسراً وتصوراً خاطئاً أيضاً، وقراءة قاصرة، والنتائج المحققة الآن تغني عن الإيضاح، رشوة، اختلاس، بطالة، فقر، تعثر تنموي، إفلاس تربوي وأخلاقي، تشرذم سياسي، والأكثر من هذا نهب المال العام وتفشي ظاهرة الرشوة، حيث لم يعش المغاربة مثل هذا من قبل إلى درجة التساهل مع الفارين من العدالة الذين أصبحوا يدافعون باستماتة عن الفساد والرشوة وأصبح فضحهما في معتقدهم جرماً يعاقب عليه القانون،
والسبب عدم متابعتهم والزج بهم بناء على تقارير المجلس الأعلى للحسابات، فأبطال تراجيديا الفساد، لصوص المال العام الذين استطابوا الأدوار واستأنسوا بها كثيراً وكانوا سبباً رئيسياً في المزيد من الكوارث والإخفاقات السياسية المخزية والفضائح الأخلاقية والمالية، التي ألقت بظلالها الرهيبة على كل مجالات الحياة، مطاردتهم ومتابعتهم وَهْمٌ واستحالةٌ وطريقٌ لا محدود، عن أي إصلاح نتكلم ونحن غارقون في أوحال الجهل والهوى وسوء الخلق والفساد والرشوة، وتاريخ من الخيانات، والفضائح الأخلاقية والمالية والجرائم السياسية، فأنى يتغير ما بنا؟حينما تتخلى الدولة عن دورها الأساسي المتجلي في مساعدة الفقراء من أبناء الشعب وحمايتهم من أخطبوط الفساد والرشوة لأجل الترقي إلى مستوى العيش الكريم، والوقوف في وجه الظلم ومحاربة لصوص المال العام، فاعلم أن المغرب يفتقر إلى نخبة سياسية وطنية وإدارات نزيهة وإلى هيآت لضبط الفساد والرشوة، وأننا أمام حالة من الحالات الكثيرة للإستثناء المغربي، ضغط الواقع قد لا يغير المباديء فحسب بل يمسحها كلياً حتى يصبح الإنسان مسخاً بلا مباديء،
وكل ما في الأمر أن المغاربة أصبحوا تحت رحمة لصوص سياسيين محترفين، نجحوا فقط في إنزال القوانين المجحفة وترسيخ عقلية الإستبداد، المغرب دولة غنية بالموارد الطبيعية الأساسية للحياة، ثروات بحرية هائلة، أسماك متنوعة الأسماء، ثروات برية من حبوب وخضروات وثمار وفواكه بشتى الأصناف ولحوم الدواجن والماشية، شلالات المياه المعدنية النقية، والمغرب كذلك غني باللصوص والمرتشين المحترفين والمنافقين من تجار الدمادم البشرية وتجار الأيديولوجيات الذين لا لون لهم ولا حزب لهم ولا مذهب لهم، سراق التقاعد المريح والمبكر وهم من صغار السن والنفس، حيث أجمعوا على سرقة الوطن بكل روح وطنية، كذلك المغرب من أكثر الدول تلوثاً بأيون الإستبداد وثاني أوكسيد الفساد وحمض الزبونية والرشوة ونترات المحسوبية وكبريت اللامبالاة…
إن أهم شيء ينبغي على الدولة الإهتمام به هو العمل الصادق والجاد على إرساء إدارة حقيقية تعطي للمواطنين الحق لإيجاد حلول ناجعة لمشاكلهم الإجتماعية والإقتصادية، والقطع النهائي مع كل الأساليب البيروقراطية والمركزية والأنانية والسلطوية والإبتزاز والرشوة، التي يبدو أن الحكومات المتعاقبة والأحزاب المكونة لها لم تستطع التخلص منها، لأنها أصبحت جزءاً من عقيدتها ومسلكاً جوهرياً من سلوكها، لكننا استبشرنا خيراً بالقضاء في هذه الأيام يصعق ويطارد مطاردة شرسة أبطال تراجيديا الفساد، لصوص المال العام الذين استطابوا الأدوار واستأنسوا بها كثيراً وكانوا سبباً رئيسياً في المزيد من الكوارث والإخفاقات السياسية المخزية، التي ألقت بظلالها الرهيبة على كل مجالات الحياة.
🖋️إدريس زياد

