كان يحب قدوم الليل عليه، فلا يكاد يصلّي عشاءه حتى يرقد إلى أن تنفتح عيناه في السّحَر وهو في أكمل نشاطه، فيتطيّب، ويلبس أحسن ثيابه، ويجلس على هيدورة كبش يتضرّع ويناجي ويراجع محفوظه، ثم يصلّي ما شاء الله له الصلاة فيؤديها مثنى مثنى ويُوتِر، حتى يؤذّن الفجر، فيقيمها، ويتلو أنغام أوراده بعدها، ثم يتلو ما تيسّر من الذكر الحكيم على حجة إن قرآن الفجر كان مشهوداً، إلى قبل الشروق بقليل، كان دائماً يحدثني أن الليل يُظهِر نور التجلّي، ويفتح نوافذ الضياء، وأن نورانية الليل النقيّ تطرد ظلمة القلب ووحشته، وتسلخ ما ران عليه، وأن نعيم الصفاء في ساعاتها…
كان يعرف الطريق إلى غُرف الليل العالية، وله شأن عجيب في تمييزها، ويقول إن لكل ليلة رائحتها وعطرها المشموم ونورها ومقامها، أمضى الرجل دهراً على حاله، حتى ابتُلي بالكبر، ولم يُرد أن ينتقل من بقايا داره وأهله إلى ديار أبنائه، بدليل أنه لا يجد الليل الذي يحبّه، فكلما استيقظ وجد الأحفاد ساهرين في جوف الليل، دون اهتمام لصباح المدرسة الذي ينتظرهم ليناموا ولو قليلاً، وكذلك الكبار مع زملائهم يتابعون صخب المباريات، أو يناقشون أحوال الدنيا ومشكلات العمل، ولا ينامون إلا بعد انجلاء أكثر السّحَر…
كان الرجل لا يحب تلك الأجواء بل ينطفئ ويذوب حسب برنامجه المسطر في البحث عن ليله في نهارات الليالي، حتى لم تبق له إلا سويعات ما بعد الفجر الصامت يتداوى بها على الصبر بوجع، اللهم ارحمه واغفر له وتجاوز عنه.🖋️إدريس زياد

