رأي

نقد ابن الدار… وفاء للبنيان لا معول للهدم

عبد الرحمان سوسو

إن الانتماء إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ليس مجرد انتساب إلى تنظيم سياسي، ولا هو بطاقة عضوية تحمل في الجيب، أو اسم يُرفع في المناسبات. إن الانتماء الحقيقي هو قناعة وإيمان وممارسة؛ هو التزام بمبادئ اختارها المناضل عن وعي، ودفاع عن قيم آمن بها. واستعداد دائم للمساهمة في بناء الحزب وتقوية حضوره وخدمته للقضايا التي تأسس من أجلها.

ومن صميم هذا الانتماء أن يمتلك الاتحادي الحقيقي شجاعة النقد؛ نقد الذات قبل نقد الآخرين، ونقد الممارسة حين تنحرف عن المسار، ونقد القيادات عندما تستوجب مصلحة الحزب ذلك. فالاتحادي الذي يصمت عن الخطأ ليس بالضرورة أكثر وفاءً لحزبه من الذي ينتقده .بل إن الصمت، حين يصبح الخطأ واضحًا، قد يتحول إلى نوع من التخلي عن المسؤولية.لكن النقد الاتحادي الأصيل ليس تشهيرا، ولا تصفية حسابات، ولا رغبة في تسجيل المواقف، ولا بحثا عن بطولة عابرة. إنه نقد ابن الدار؛ نقد من يريد أن يرى بيته السياسي أكثر قوة، وأكثر إشعاعا وأكثر وفاءء لتاريخه ومبادئه.

نحن ننتقد لأننا نحب، ونختلف لأننا نؤمن، ونرفع صوتنا لأننا لا نريد أن نفقد البوصلة.إن الاتحاد الاشتراكي الذي ننتمي إليه ليس بناءً شيد بالأمس، وليس ملكا لأشخاص أو مرحلة أو قيادة بعينها. إنه بنيان أسسه رجال ونساء دفعوا ثمن مواقفهم، وناضلوا في ظروف قاسية، وقدم بعضهم حياته دفاعا عن الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

ولذلك فإن مسؤوليتنا اليوم ليست أن نهدم ما شيد بتضحياتهم، وإنما أن نرمم ما تصدع، ونصحح ما اعوج، ونقوي ما ضعف، ونواصل البناء.فالاختلاف داخل الحزب لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع الحزب، والنقد لا ينبغي أن يتحول إلى نقمة على الانتماء، والخلاف مع قيادة أو قرار أو تدبير لا يعني التخلي عن المبادئ التي جمعتنا.قد نختلف مع القيادة، وقد نعارض بعض الاختيارات،

وقد نرى أن المسار يحتاج إلى تصحيح أو مراجعة أو تغيير. وهذا حق مشروع، بل قد يكون واجبا عندما تكون مصلحة الحزب ومستقبله على المحك. لكن الفرق كبير بين من ينتقد ليُصلح، ومن ينتقد ليهدم؛ بين من يختلف ليقوّم المسار، ومن يختلف ليقطع الطريق. بين من يحمل معول الإصلاح، ومن يحمل معول الهدم.إن الاتحادي الحقيقي لا يريد لحزبه أن يبقى أسير إخطائه، كما لا يريد لتاريخه أن يتحول إلى مجرد ذكرى. إنه يؤمن بأن البناء ممكن، وأن التصحيح ممكن، وأن استعادة الثقة ممكنة، وأن الحزب قادر على استعادة مكانته متى توفرت الإرادة السياسية الصادقة، والجرأة النقدية، والقدرة على مراجعة الذات.

ولذلك، فإن الدفاع عن الاتحاد الاشتراكي لا يعني الدفاع عن كل قرار، ولا عن كل مسؤول، ولا عن كل ممارسة. الدفاع عن الحزب يعني الدفاع عن جوهره ومبادئه وتاريخه ومستقبله.ومن هنا تأتي قيمة نقد ابن الدار: أن تقول ما تراه صوابا من داخل البيت، وأن تنبه إلى الخلل وأنت حريص على سلامة البيت. وأن تختلف دون أن تتنكر لانتمائك، وأن تعارض دون أن تتحول إلى خصم، وأن تقترح البديل بدل الاكتفاء بالشكوى.فالمناضل ليس متفرجا على حزبه، ولا مستفيدا من أزماته، ولا صامتا خوفا أو طمعا. المناضل فاعل ومتفاعل، حاضر في لحظة الأزمة كما هو حاضر في لحظة الانتصار، يتحمل مسؤوليته، ويقدم رأيه، ويقبل النقد كما يوجهه.

وإذا كان من حق الاتحادي أن ينتقد قياداته، فإن من واجبه أيضا أن يبدأ بنفسه: ماذا قدمت للحزب؟ ماذا فعلتُ من أجل تقوية تنظيمه؟ هل كنت جزءا من الحل أم جزءا من المشكلة؟ هل ساهمت في بناء الثقة أم في تعميق الخلاف؟تلك هي الأسئلة التي تجعل النقد مسؤولية أخلاقية وسياسية، لا مجرد موقف عابر.إننا نريد اتحادا اشتراكيا قويا، متماسكا، متجددا، وفيا لمرجعيته اليسارية، قريبا من الطبقات الشعبية، مدافعا عن الكرامة والعدالة الاجتماعية، ومنفتحا على الأجيال الجديدة، وقادرا على استعادة دوره في المجتمع والمؤسسات.

ولذلك، فإننا نقولها بوضوح: نختلف. نعم.ننتقد،.نعم. نطالب بالتصحيح، نعم.لكننا لا نتبرأ من بيتنا، ولا ننسى تاريخه، ولا نستهين بتضحيات من سبقونا.فالانتماء الحقيقي ليس أن تصفق للحزب حين يصيب، بل أن تمتلك شجاعة تنبيهه حين يخطئ، وأن تبقى في الوقت نفسه مؤمنا بإمكانية إصلاحه وبناء مستقبله.

ذلك هو نقد ابن الدار: نقد لا يستعير معولا للهدم، وإنما يحمل مسؤولية البناء.نقد لا يطفئ شمعة الانتماء، وإنما يحاول أن يجعل نورها أكثر سطوعا.ونضال لا يستهدف البنيان، وإنما يسعى إلى إنقاذه وتقويته وتجديده، وفاء لكل شهيد ومناضل وكفاءة اتحادية جعلت من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أملا في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وسيظل الانتماء الحقيقي، في النهاية، قناعة وإيمانا وممارسة… ونقدا شجاعا من أجل البناء، لا صمتا جبانا أمام الخلل، ولا هدما جبانا لما بناه المناضلون.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.