د. ابراهيم النوحي
يمثل مشروع قانون المالية رقم 60.26 للسنة المالية 2027 لحظة الحقيقة الأولى التي تختبر مدى تطابق الطموح السياسي المعلن في البرنامج الحكومي مع الإمكانات الفعلية للخزينة العمومية. فالميزانية، بوصفها الأداة التنفيذية التي تترجم الشعارات إلى اعتمادات مالية وقواعد ضريبية، تكشف في جوهرها عن سعي حكومي حثيث لتحقيق معادلة مركبة؛ قوامها إطلاق دينامية اجتماعية واقتصادية إيجابية تدعم القدرة الشرائية وتسرع الأوراش التنموية والسيادية واستحقاقات مونديال 2030، وفي الآن ذاته محاولة ضبط التوازنات الماكرو-اقتصادية تحت وطأة مديونية تثقل كاهل المالية العمومية.
تتجسد الملامح الإيجابية لمشروع القانون المالي في شقه الاجتماعي والجبائي عبر حزمة تدابير تعلن صراحة الانحياز لترميم القدرة الشرائية للطبقة الوسطى وإرساء قواعد العدالة الضريبية. فعلى المستوى الجبائي، أقر المشروع إصلاحا للضريبة على الدخل يرفع سقف الإعفاء إلى ستين ألف درهم، ويوسع الشرائح المخفضة ويخفض السعر الأقصى إلى ثلاثين في المائة، بالتوازي مع فرض ضريبة بنسبة أربعين في المائة على الأرباح الفائقة لمؤسسات الائتمان وشركات المحروقات التي تفوق أرباحها الصافية مائة مليون درهم، فضلا عن إقرار رسوم تصاعدية على السيارات الفاخرة وآليات لمحاربة التملص الجبائي. غير أن القراءة النقدية الفاحصة تكشف عن تناقضات هيكلية؛ أولها أن الانفراج الضريبي للأجراء جرى تقطيعه زمنيا عبر أحكام انتقالية تمتد حتى فاتح يناير 2031، وثانيها أن هذه الصرامة الجبائية الداخلية تتبخر أمام السخاء الممنوح لتنظيم كأس العالم 2030 الذي يمتد من سنة2027 حتى سنة 2032، مانحا الفيفا وشركائها إعفاءات جمركية وضريبية شاملة مستثناة حتى من قواعد المنافسة وأثمان التحويل.
أما على صعيد ترسيخ الدولة الاجتماعية وتأهيل الرأسمال البشري، فيعكس المشروع مجهودا ماليا معتبرا لتأمين شبكات الأمان الاجتماعي؛ إذ رصد أزيد من أربعين مليارا ومائة وستين مليون درهم لصندوق دعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي لتمويل الدعم المباشر المتصاعد نحو ألف درهم أفق 2031 والإعفاء التلقائي لفواتير الكهرباء التي لا تتجاوز مائة درهم، فضلا عن رفع الحد الأدنى للتقاعد إلى 1700 درهم وتمكين الأرامل من المعاش الكامل ابتداء من يناير 2027. كما خصص اعتمادات مهمة لدعم السكن، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتشغيل الشباب، وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، مع إدماج المراكز الاستشفائية في المجموعات الصحية الترابية ودعم القدرة الشرائية استعجاليا عبر إعفاء القمح واللحوم والماشية من رسوم الاستيراد والضريبة على القيمة المضافة. بيد أن هذا البناء الاجتماعي يظل محكوما بمفارقات بنيوية؛ فالتدخلات الإسعافية لحماية القدرة الشرائية تفضح استمرار التبعية الغذائية للخارج، كما أن خريطة التوظيفات العمومية المحددة في أربعة وثلاثين ألفا وأربعمائة وأربعة وخمسين منصبا تكشف عن استحواذ قطاعات الداخلية والدفاع والسجون على أزيد من ستين في المائة منها على حساب القطاعات الاجتماعية الحيوية التي ستبقى نسبة التوظيف فيها دون مستوى الحاجيات .
ويعكس البعد الاقتصادي والتنموي في مشروع قانون المالية لسنة 2027 مفارقة بنيوية بين ضخامة الغلاف الاستثماري المعلن وهشاشة آليات تحفيز الإنتاج الحقيقي؛ فالمشروع يراهن مجددا على الاستثمار العمومي كقاطرة وحيدة للنمو من خلال رصد اعتمادات إجمالية تناهز مائتين وسبعة وعشرين مليار درهم بالميزانية العامة، تتركز حصتها الأسد في البنيات التحتية والتجهيز والماء بنحو ستين مليار درهم، والفلاحة بنحو أربعة وعشرين مليار درهم. غير أن هذا الزخم الكمي يصطدم بثلاثة أعطاب تنموية جوهرية؛ أولها أن جزءا كبيرا من هذا المجهود موجه لتدبير الندرة المناخية وتجهيزات مونديال 2030 وليس لبناء قاعدة صناعية وتكنولوجية كثيفة التشغيل، بدليل ضعف المخصصات الاستثمارية المباشرة لقطاعات الصناعة والتحول الرقمي والتشغيل.
وثانيها أن السياسة الجمركية والضريبية، عبر توسيع الإعفاءات على استيراد الماشية واللحوم والقمح ومنح حصانة جبائية وجمركية شاملة ومستثناة من قواعد المنافسة للشركات الأجنبية المتعاقدة مع الفيفا، تكرس اقتصاد الاستيراد وتضعف تنافسية المقاولة الوطنية الصغرى والمتوسطة بدل تعويض الواردات. أما العطب الثالث فيكمن في هشاشة التمويل التنموي ذاته؛ إذ إن هذا الإنفاق الاستثماري العام يمول في معظمه بالاقتراض الداخلي والخارجي البالغ مائة وعشرين مليار درهم، بل ويظل معلقا تحت رحمة المادة الثانية والأربعين التي تمنح الحكومة صلاحية تجميد خمسة عشر في المائة من اعتمادات أداء الاستثمار العمومي احترازيا، مما يجعل الرهان التنموي للمشروع محكوما بمنطق تدبير التوازنات المحاسبية الظرفية أكثر من كونه رافعة لتحول هيكلي يخلق الثروة ويفك الارتهان للتقلبات الفلاحية.
كما أن هذه الإجراءات الإيجابية تصطدم في المقابل بمكامن ضعف جوهرية وتراجعات لافتة تعري محدودية الجرأة السياسية للحكومة في مواجهة لوبيات الريع والمضاربة. ففي الوقت الذي رفع فيه البرنامج الحكومي شعار محاربة الفساد وتخليق الحياة العامة في صدارة أولوياته، يسجل المسار التشريعي والمالي تراجعا صريحا عن إخراج مشروع قانون تجريم الإثراء بلا سبب وقانون تضارب المصالح إلى حيز الوجود، مما يبقي الفصل السادس والثلاثين من الدستور معلقا بدون آليات زجرية، ويفرغ وعود فحص الصفقات العمومية ومحاصرة زواج المال بالسلطة من أي سند قانوني رادع. ويتجلى هذا التردد ذاته في التعامل مع ملف أسعار الطاقة؛ إذ تخلت الحكومة عن خيار تسقيف أسعار المحروقات أو ضبط هوامش الربح الفاحشة في مسالك التوزيع لحماية المستهلك والمقاولات الصغرى وسلاسل النقل، مما قد يدفع الشركات في سوق غير مسقفة إلى تحميل الكلفة الضريبية الإضافية التي ستفرض عليها للمواطن، خاصة وأن الاعتمادات المرصودة في المشروع لصندوق دعم مصالح المنافسة والمراقبة وحماية المستهلك وضبط السوق لا تتجاوز خمسة ملايين درهم، وهو مبلغ هزيل للغاية لا يتناسب مع حجم المضاربات في الأسواق.كما أن وضع هذه الطموحات الاجتماعية والاقتصادية والسيادية في ميزان الحسابات الماكرو-اقتصادية يعري حجم الضغط المسلط على الخزينة؛ فرغم الارتفاع الإيجابي للمداخيل العادية المتوقعة إلى أربعمائة واثنين وثمانين مليارا وأربعمائة مليون درهم بفضل دينامية العائدات الضريبية ومساهمات المؤسسات العمومية الكبرى، وتحقيق رصيد عادي إيجابي يفوق تسعة وأربعين مليار درهم، فإن عبء الاستثمار العمومي يفرز عجزا ميزانياتيا يقارب تسعة وثمانين مليارا وستمائة مليون درهم. وحين يضاف إلى هذا العجز استهلاك أصل الدين المتوسط والطويل الأجل، حيث تقفز الحاجيات الإجمالية للتمويل إلى مائة وتسعة وخمسين مليار درهم، مما يلجئ الحكومة إلى اقتراض مائة وعشرين مليار درهم مناصفة بين السوقين الداخلي والخارجي. وتتجلى المعضلة الهيكلية في كون خدمة الدين العمومي الإجمالية، من فوائد وأصل دين، تستنزف مائة وخمسة عشر مليارا وثلاثمائة مليون درهم في سنة واحدة، وهو ما دفع الحكومة إلى تضمين المشروع مقتضى احترازيا يأذن لها بتجميد خمسة عشر في المائة من اعتمادات أداء الاستثمار العمومي تحسبا لأي تقلبات مالية.
صفوة القول إن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يجسد وثيقة مالية مزدوجة الهوية؛ فهو من جهة يترجم إرادة إيجابية في إنصاف الأجراء تدريجيا، وتحصين مكتسبات الحماية الاجتماعية، وتكريس تضريب القطاعات الاحتكارية، وضخ موارد مهمة في شرايين الجهوية والبنيات التحتية المائية والفلاحية والدفاعية. لكنه من جهة ثانية يظل مكبلا بهشاشة التوازنات المالية وثقل خدمة الدين العمومي التي تفرض اللجوء المكثف للاقتراض لسداد التزامات سابقة، مما يجعل نجاح هذه الإجراءات الاجتماعية والايجابية رهينا بقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل هذا الإنفاق العمومي الضخم إلى نمو منتج ومناصب شغل مستدامة تكسر حلقة المديونية.

