بقلم: ذ محمد فحراوي مفتش تربوي متقاعد ورئيس جمعية حي سكني بقلعة السراغنة
أصبحت جمعيات الأحياء السكنية مكوناً مهماً من مكونات العمل المدني المحلي، بالنظر إلى قربها من المواطن ومعايشتها اليومية لمشكلات الحي وانتظارات سكانه. فهي ليست مجرد إطار للتواصل بين الجيران، أو هيئة لتنظيم بعض الأنشطة الظرفية، وإنما يمكن أن تشكل فضاءً للمشاركة المواطنة، وآلية للترافع والحوار، وشريكاً للسلطات والجماعات الترابية في تشخيص القضايا المحلية والمساهمة في معالجتها.
غير أن واقع هذه الجمعيات يكشف، في المقابل، عن تفاوت واضح بين ما يفترض أن تقوم به من أدوار وما تستطيع فعلياً القيام به، بسبب مجموعة من الإكراهات المرتبطة بالتنظيم والموارد والثقافة المدنية وطبيعة العلاقة مع المؤسسات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مساءلة واقع جمعيات الأحياء، والبحث في شروط الانتقال بها من مبادرات محدودة ومتفرقة إلى مؤسسات مدنية محلية أكثر فعالية واستدامة.
أولاً: جمعيات الأحياء السكنية … منطق القرب والمواطنة
تتميز جمعية الحي بخصوصية أساسية تتمثل في القرب من المواطن. فهي تعرف المشاكل اليومية للسكان، وتعاين بشكل مباشر قضايا النظافة، والإنارة العمومية، والطرقات، والمساحات الخضراء، والضجيج، والاحتلال غير المنظم للملك العمومي، ومحاربة الحشرات، والأمن البيئي والاجتماعي، وغيرها من القضايا التي تؤثر في جودة الحياة.
ومن هذا المنطلق، تستطيع جمعية الحي أن تؤدي أدواراً متعددة، من أبرزها:
نقل انشغالات السكان إلى الجهات المختصة
المساهمة في تحسين التواصل بين المواطنين والمؤسسات؛
تنظيم حملات تحسيسية وبيئية واجتماعية
تشجيع التضامن والتعاون بين سكان الحي؛
الدفاع عن المصالح المشروعة والمشتركة للساكنة؛
المساهمة في نشر ثقافة المحافظة على الممتلكات والمرافق المشتركة
خلق فضاء للحوار والتشاور حول القضايا المحلية.
وهكذا، فإن الجمعية لا ينبغي أن تفهم باعتبارها بديلاً عن الجماعة أو الإدارة، بل باعتبارها شريكاً مدنياً يمكنه أن يساهم في تحسين تدبير الشأن المحلي.
ثانياً: جمعيات الأحياء السكنية بين طموح السكان وإكراهات الواقع
رغم أهمية هذه الأدوار، فإن عدداً من جمعيات الأحياء يصطدم بإكراهات تحد من فعاليتها ، من بينها :
ضعف المشاركة السكانية. فقد يتأسس الإطار الجمعوي بحماس كبير، ثم يتراجع انخراط السكان مع مرور الوقت، لتتحول مسؤولية الجمعية إلى عدد محدود من الأشخاص؛
ضعف الموارد المالية، إذ إن كثيراً من جمعيات الأحياء تعتمد على مساهمات محدودة من السكان، بينما تتطلب بعض المبادرات موارد أكبر وإمكانات تنظيمية ولوجستيكية لا تتوفر دائماً؛
غيااب الوضوح في توزيع الأدوار بين الجمعية والمؤسسات العمومية. فالجمعية قد ترفع مطالب مشروعة، لكنها لا تتوفر على وسائل تنفيذها، في حين أن بعض المواطنين قد يحملونها مسؤوليات تدخل ضمن اختصاصات الجماعة أو مصالح الدولة.
إشكال الاستمرارية، ذلك أن نجاح الجمعية لا يقاس بعدد الاجتماعات أو البلاغات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على بناء عمل مؤسساتي مستمر، يقوم على التشخيص والتخطيط والتتبع والتقييم.
ثالثاً: جمعيات الأحياء السكنية… بين المطالب والاقتراح
من الأخطاء التي يمكن أن تحد من فعالية العمل الجمعوي اختزال دور الجمعية في تقديم المطالب والشكايات. فالجمعية الأكثر تأثيراً هي التي لا تكتفي بالقول: هناك مشكلة ، بل تحاول أن تجيب أيضاً عن أسئلة من قبيل: ما طبيعة المشكلة؟ وما أسبابها؟ ومن الجهة المختصة؟ وما الحلول الممكنة؟ وما الذي يمكن للسكان القيام به؟ وما الذي ينبغي أن تقوم به المؤسسة المعنية؟
وبذلك ينتقل العمل الجمعوي من منطق الاحتجاج على الاختلالات إلى منطق المشاركة في إيجاد الحلول . ففي موضوع النظافة مثلاً، لا يكفي مطالبة الجماعة بالتدخل، بل يمكن للجمعية أن تساهم في توعية السكان، وتحديد النقاط السوداء، واقتراح برنامج للتدخل، وتتبع مدى تنفيذ الالتزامات. وفي موضوع الضجيج، يمكن للجمعية أن تجمع شكايات السكان وتوثق الأوقات والظروف التي يحدث فيها الإزعاج، وتتواصل مع الجهة المعنية، وتسعى إلى إيجاد حل توافقي يحفظ حقوق السكان ويأخذ بعين الاعتبار مصالح مختلف الأطراف.
رابعاً: الحاجة إلى حكامة جمعوية محلية
إن تطوير جمعيات الأحياء يقتضي الانتقال من العمل العفوي إلى الحكامة الجمعوية. وذلك من خلال الالتزام بما يلي:
البداية بالوضوح في المسؤوليات؛
احترام القانون الأساسي للجمعية؛
انتظام الاجتماعات؛
توثيق القرارات
الشفافية المالية؛
إخبار السكان بنتائج المبادرات واللقاءات.
كما تتطلب هذه الحكامة الجمعوية وضع برنامج واضح يحدد الأولويات، بدل الانتقال من قضية إلى أخرى دون رؤية شاملة. وكذا اعتماد آليات بسيطة للتقييم، مثل السؤال في نهاية كل سنة: ماذا أنجزنا؟ ماذا لم تنجزه؟ لماذا؟ وما الأولويات التي ينبغي التركيز عليها مستقبلاً؟
ذلك أن الجمعية التي تقيم أداءها بانتظام تكون أكثر قدرة على تصحيح أخطائها وتعزيز ثقة السكان فيها.
خامساً: جمعيات الأحياء السكنية … أمام ضعف مشاركة الشباب والنساء
من التحديات التي تواجه بعض جمعيات الأحياء ضعف مشاركة الشباب والنساء في تحمل المسؤوليات الجمعوية. حيث لا يتعلق الأمر بمجرد تحقيق تمثيلية شكلية، وإنما بالاستفادة من الكفاءات والأفكار والطاقات الجديدة. فالشباب يمكن أن يساهموا في المجال الرقمي، والتواصل، وتنظيم الأنشطة الرياضية والثقافية والبيئية، في حين يمكن للنساء أن يضطلعن بأدوار مهمة في المجالات الاجتماعية والتربوية والثقافية.
ومن هنا يتبين أن تجديد النخب الجمعوية المحلية ينبغي أن يصبح جزءاً من استراتيجية استمرارية الجمعية، حتى لا تتحول إلى إطار مرتبط بأشخاص محددين، بل إلى مؤسسة مدنية قادرة على إنتاج قيادات جديدة.
سادساً: جمعيات الأحياء السكنية … وامكانات الرقمنة كفرصة جديدة لتطويرها
أصبحت الوسائل الرقمية توفر إمكانات كبيرة أمام العمل الجمعوي المحلي. فصفحات التواصل الاجتماعي ومجموعات التواصل الخاصة بالسكان يمكن أن تستخدم في نشر الأخبار، والإعلان عن الاجتماعات، وتقديم التقارير واستقبال المقترحات، والتحسيس بالقضايا البيئية والاجتماعية.
لكن هذه الرقمنة ينبغي ألا تتحول إلى فضاء للصراعات أو نشر الاتهامات، بل ينبغي أن تقوم على المعلومة الدقيقة والاحترام والحوار المسؤول.
إن الحضور الرقمي للجمعية ينبغي أن يعكس أخلاقها التنظيمية، وأن يكون وسيلة للتواصل وليس بديلاً عن العمل الميداني.
سابعاً : جمعيات الأحياء السكنية … والمؤسسات والفاعلين المحليين أية علاقة
إن مستقبل جمعيات الأحياء مرتبط بدرجة كبيرة بطبيعة العلاقة التي تبنيها مع الجماعات الترابية والإدارات والمصالح المختصة فج . معية الحي ليست جزيرة معزولة، بل هي جسر يصل الساكنة بمختلف المؤسسات والفاعلين المحليين، عبر الحوار والتعاون والشراكة، دفاعًا عن المصلحة العامة وإسهاما في بناء حي أفضل
إلا أن هذه العلاقة ، حتى تكون ناجحة، لا ينبغي أن تقوم على التبعية، كما لا ينبغي أن تقوم على الصدام الدائم، وإنما على الاستقلالية والتعاون والاحترام المتبادل.
إن الجمعية المستقلة تستطيع أن تنتقد الاختلالات عندما تكون هناك اختلالات، لكنها تستطيع في الوقت نفسه أن تثمن المبادرات الإيجابية.
كما أن المؤسسة العمومية يمكنها أن تستفيد من معرفة الجمعية الدقيقة بالمشكلات اليومية للسكان، لأن القرب يجعلها مصدراً مهماً للمعلومات حول واقع الحي.
ومن هنا يمكن أن تتحول الجمعية إلى حلقة وصل فعالة بين المواطن والمؤسسة، بما يعزز الثقة ويقرب الإدارة من المواطنين.
ثامناً: جمعيات الأحياء السكنية … نحو جيل جديد من جمعيات الأحياء
إن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة التفكير في وظيفة جمعية الحي. فالجمعية الناجحة ليست التي تكثر من البيانات، ولا التي تدخل في صراعات مستمرة، وإنما التي تستطيع أن تجمع السكان حول مصالح مشتركة، وتشخص المشكلات وتقترح الحلول، وتتفاوض، وتترافع، وتتبع النتائج.
ويمكن لجمعيات الأحياء أن تطور عملها من خلال ما يلي:
1. إعداد تشخيص سنوي لحاجيات الحي؛
2 وضع برنامج عمل واضح ومحدد الأولويات؛
.3 تنظيم لقاءات دورية مع السكان؛
.4 تطوير التواصل مع المؤسسات
5 اعتماد الشفافية في الموارد والنفقات
6 إشراك الشباب والنساء؛
7 تكوين أعضاء الجمعية في مجالات القانون والتواصل والحكامة
8 الاستفادة من الرقمنة
9 بناء شراكات مع الجمعيات والمؤسسات والفاعلين المحليين؛
10. اعتماد التقييم الدوري للنتائج.
على سبيل الختم
إن جمعيات الأحياء السكنية توجد اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال من مجرد أطر للتعارف والتعاون بين السكان إلى فاعل مدني محلي قادر على المساهمة في تحسين جودة الحياة وتعزيز المواطنة. بيد أن هذا الانتقال لن يتحقق بمجرد تغيير الخطاب، بل يحتاج إلى وعي جماعي بأن العمل الجمعوي مسؤولية قبل أن يكون امتيازاً، وأن الدفاع عن مصالح الحي يتطلب المعرفة بالقانون، والقدرة على الحوار، والالتزام بالشفافية، والابتعاد عن الحسابات الشخصية والصراعات الهامشية.
إن المستقبل لا يحتاج إلى جمعيات ترفع صوتها فقط، وإنما إلى جمعيات تسمع صوت السكان، وتفهم حاجياتهم، وتحول مطالبهم إلى مقترحات، ومقترحاتهم إلى مبادرات، ومبادراتها إلى نتائج قابلة للقياس . وهنا تكمن القيمة الحقيقية لجمعية الحي: أن تجعل من القرب الجغرافي قرباً في المواطنة، ومن التضامن بين الجيران قوة للمشاركة، ومن العمل الجمعوي أداة لبناء حي أفضل وأكثر تنظيماً وإنصافاً واستدامة.
مراجع للاستئناس:
دستور المملكة المغربية لسنة 2011
الظهير الشريف رقم 1.58.376 المتعلق بتنظيم حق تأسيس الجمعيات
عبد الله ساعف، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي
عبد الإله بلقزيز، المجتمع المدني: سؤال الديمقراطية في المغرب العربي
محسن الندوي، الديمقراطية التشاركية المفهوم – النشأة – الآليات؛
مصعب التجاني، المجتمع المدني والسياسات العمومية
إبراهيم السهول واقع المجتمع المدني وتنزيل الديمقراطية التشاركية في المغرب
أمين السعيد وآخرون، فصول من الديمقراطية التشاركية في السياق المغربي
النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة للديمقراطية التشاركية الصادرة عن الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان

