رأي رياضة

الركبي المغربي يحتضر أم هو ميت سريريا بعدما كان مفخرة؟

بقلم:المصطفى حرمة الله

حين تصبح المناصب أهم من الكفاءات، والولاءات أهم من الاستحقاق، والصراعات الشخصية أقوى من مصلحة الرياضة، فلا تستغربوا أن تتحول لعبة بأكملها إلى جثة تنتظر إعلان الوفاة!

أتحدث اليوم عن الركبي المغربي من موقع من عايش جزءًا مهمًا من تاريخه، وتابع مساره منذ بداية التسعينيات، وازداد اطلاعه على خباياه حين أسسنا فريق الوداد الرياضي السرغيني للركبي سنة 2000، وأصبحت عضوًا في مكتبه، ثم حكمًا وطنيًا ودوليًا.عاصرت أربعة رؤساء للجامعة الملكية المغربية للركبي، لكل واحد منهم إيجابياته وسلبياته.

وشهدت فترات من الصعود والانتعاش، كما عاينت مراحل من التراجع والانحدار. وما يؤلمني اليوم ليس مجرد تراجع النتائج، بل ما يبدو أنه تآكل في أسس اللعبة، نتيجة تراكم اختيارات واختلالات كان بالإمكان تفادي الكثير منها لو وُضعت مصلحة الركبي فوق الحسابات الشخصية.

أولًا: حين تتحول الجامعة إلى ساحة لتصفية الحساباتمن أخطر ما يمكن أن يصيب مؤسسة رياضية أن يصبح الفوز بالمنصب هدفًا في حد ذاته، وأن يتحول المكتب الجامعي، بعد انتهاء الانتخابات، إلى معسكر للمنتصرين في مواجهة المنهزمين.

لقد أفرز منطق اللوائح، في تقديري، ممارسات إقصائية أضرت بالركبي المغربي؛ إذ تُهمَّش كفاءات لمجرد اختلافها مع الرئيس أو تصويتها للائحة المنافسة تبعا لمقولة جورج بوش معي او ضدي، بينما تُفتح الأبواب أمام أشخاص على أساس الولاء والطاعة، لا على أساس الخبرة والقدرة على الإنجاز.

أليس من العبث أن نخسر كفاءات قادرة على خدمة اللعبة لمجرد أنها لم تصوت لهذا الرئيس أو ذاك؟*إن الجامعة ليست ملكًا للرئيس، ولا إرثًا انتخابيًا للائحة الفائزة، ولا مزرعة لتوزيع المناصب على المقربين. إنها مؤسسة مسؤولة عن مستقبل لعبة وعن أجيال من الأطفال والشباب.أما قانون التربية البدنية والرياضة رقم 30.09، فلا ينبغي أن يكون شماعة لتبرير كل الممارسات الإقصائية؛ بل المطلوب هو تدبير ديمقراطي ومسؤول يحترم القانون، ويضمن الاستفادة من جميع الكفاءات المؤهلة، مهما اختلفت اختياراتها الانتخابية.

ثانيًا: جائحة كورونا لم تخلق الأزمة وحدهالقد جاءت جائحة كورونا لتوقف الأنشطة الرياضية وتُبعد أجيالًا من الممارسين عن الملاعب.لكن التحدي الحقيقي كان في القدرة على استعادة هؤلاء الشباب، وإعادة بناء القاعدة الرياضية، وتعويض ما ضاع من سنوات التكوين.

فهل وُضعت برامج فعالة لاسترجاع الأطفال والناشئين؟ وهل أُعدت خطط لإعادة إطلاق المنافسات وتكوين المؤطرين؟ أم تُركت اللعبة تواجه آثار الجائحة بإمكانات محدودة، في وقت كانت فيه رياضات أخرى تستعيد أنفاسها؟إن الأزمة الصحية كانت ظرفًا استثنائيًا، لكن تحويل آثارها إلى تراجع طويل الأمد يطرح أسئلة مشروعة حول الاستعداد والتخطيط والتدبير.

ثالثًا: كرة القدم تجذب المئات… والركبي يعاني قلة الممارسينلا يمكن تجاهل الطفرة التي عرفتها كرة القدم، ولا جاذبية أكاديمياتها وجمعياتها التي تستقطب أعدادًا كبيرة من الأطفال والشباب.

وفي المقابل، تعاني العديد من فرق الركبي من ضعف قاعدة الممارسين، حتى إن بعض الفئات لا تضم سوى عدد محدود من اللاعبين.لكن هل يكفي أن نلوم كرة القدم لأنها نجحت في استقطاب الشباب؟ أم أن السؤال الحقيقي هو: ماذا قدمنا نحن للطفل حتى يختار الركبي ويستمر فيه؟أين برامج التعريف باللعبة داخل المؤسسات التعليمية؟ وأين مدارس الركبي القاعدية؟ وأين البطولات المنتظمة، والتأطير الجيد، والتحفيز، والتواصل مع الأسر؟

لا يمكننا منافسة كرة القدم بالشعارات، ولا استعادة مكانة الركبي بالبكاء على الماضي. المطلوب مشروع واضح، يبدأ من المدرسة والطفل، ويمر عبر التكوين والمنافسة، وينتهي ببناء لاعب قادر على الاستمرار والتطور.

رابعًا: جامعة تنتظر الدعم بدل أن تبحث عن موارد جديدة تعتمد فرق عديدة على المنح الجامعية والدعم العمومي، في حين تعاني الجامعة نفسها من محدودية الموارد المالية ومن صعوبات في تدبير شؤونها، وفق ما عاينته خلال مساري الرياضي.وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا لا تتحول الجامعة إلى مؤسسة قادرة على استقطاب المستشهرين والشركاء، وإعداد ملفات احترافية، وبناء علاقات مستدامة مع المقاولات والمؤسسات الاقتصادية؟

إن الاعتماد شبه الكامل على المنح، دون تنويع مصادر التمويل، يجعل اللعبة رهينة قرارات الجهات المانحة وتقلبات الميزانيات.كما أن سمعة الجمعية وحسن تدبيرها يؤثران في ثقة الشركاء والسلطات المحلية والمجالس المنتخبة. فحين تغيب الشفافية، وتكثر المشاكل، ولا تظهر نتائج ملموسة، يصبح من الصعب إقناع الممولين بمواصلة الدعم.من يريد المال العمومي عليه أن يقدم مشروعًا واضحًا، وتدبيرًا مسؤولًا، وحصيلة قابلة للتقييم، لا أن يكتفي بالمطالبة بالمنح ثم يشتكي من ضعفها.

خامسًا: جمعيات تموت بموت الأشخاصمن المؤسف أن عددًا من الجمعيات الرياضية يرتبط وجوده بشخص واحد؛ فهو الرئيس، والممول، والمسير، وصاحب القرار. فإذا غادر لأي سبب، دخلت الجمعية في أزمة، وقد تتوقف أنشطتها أو تتراجع بشكل حاد.هذه ليست مؤسسة رياضية مستدامة، بل مشروع شخصي معرض للانهيار في أي لحظة.الجمعية الحقيقية هي التي تتوفر على مكتب فعال، وموارد مالية متنوعة، وبرنامج عمل، وقاعدة منخرطين، وآليات لتداول المسؤولية. أما الجمعية التي لا تستطيع الاستمرار دون شخص واحد، فإنها لم تنجح بعد في بناء مؤسستها.

والأخطر من ذلك هو ظهور جمعيات لا يبدو أن وراء تأسيس بعضها مشروع رياضي متكامل، بقدر ما يرتبط وجودها بالحضور الانتخابي أو السعي إلى مواقع التمثيل داخل الأجهزة المسيرة.إن الحكم على هذه الجمعيات ينبغي أن يكون بالنتائج: عدد الممارسين، والفئات العمرية، وانتظام التداريب، والمشاركة في المنافسات، وجودة التأطير، والاستمرارية. فالتأسيس على الورق لا يصنع نهضة رياضية.

سادسًا: من يؤطر الأطفال؟ ومن يحميهم من سوء المعاملة؟

هذا من أكثر الملفات إيلامًا في واقع الركبي المغربي.ان ممارسة اللعبة في مستوى الكبار لموسم أو موسمين لا تجعل صاحبها تلقائيًا مؤهلًا لتدريب الأطفال. فالتأطير الرياضي مهنة ومسؤولية تتطلب تكوينًا تربويًا وتقنيًا، ومعرفة بخصائص النمو البدني والنفسي، ومبادئ البيوميكانيك،والبسيكوموترسيتي، وتدبير المجهود البدني بما يناسب العمر، وفهم احتياجات المراهقين.الطفل ليس لاعبًا محترفًا صغيرًا، ولا يجوز التعامل معه بعقلية الصراخ والإهانة والسب والشتم والكلام الفاحش.

إنه إنسان في مرحلة حساسة من النمو، يحتاج إلى التشجيع والانضباط والتوجيه والشعور بالأمان.وحين يتحول التدريب إلى مصدر للخوف والإذلال، فلا عجب أن يغادر بعض الأطفال الجمعيات، وأن تفقد اللعبة مواهب كان يمكن أن تصبح مستقبلها.كيف نطالب بتكوين أبطال، بينما لا نوفر لبعضهم حتى الحد الأدنى من التأطير التربوي السليم.إن الجامعة والجمعيات مطالبتان بوضع برامج لتأهيل المدربين، ومراقبة جودة التأطير، واعتماد مدونات سلوك واضحة، والتعامل الجدي مع شكاوى الأطفال وأسرهم.فالنتائج لا تُصنع بالصراخ، والمواهب لا تُبنى بالإهانة، والركبي لا يستعيد مجده بتسليم مستقبل الأطفال لمن لم يتلقوا التكوين الكافي.

سابعًا: ضعف المستوى، وضياع الملاعب، وتراجع عدد الفرق.حين تشاهد بعض مباريات الكبار، وتتمنى أن ترى نسقًا تقنيًا مرتفعًا، وهجمات منظمة، وقرارات سليمة، ثم لا تجد إلا فترات قصيرة من اللعب الجيد، فإن السؤال لا يتعلق باللاعب وحده؛ بل بمنظومة التكوين بأكملها.فاللاعب ثمرة سنوات من العمل، والمدرب ثمرة تكوين، والفريق ثمرة تخطيط، والجامعة مسؤولة عن وضع الإطار الذي يسمح لهذه العناصر بالتطور.

ويزداد الوضع قتامة حين تفقد بعض الجمعيات ملاعب كانت تتوفر عليها، أو تعجز عن المحافظة عليها واستثمارها، وحين تتراجع أعداد الفرق عامًا بعد عام، وتندثر جمعيات دون أن تحل محلها مؤسسات قادرة على الاستمرار.إن الملعب ليس مجرد مساحة للعب؛ إنه رأسمال رياضي واجتماعي يجب حمايته، وصيانته، وتوظيفه في خدمة الأجيال الصاعدة.أما الكفاءات التي اختارت الابتعاد عن الركبي، فإن خسارتها لا تقل خطورة عن خسارة اللاعبين. فحين يشعر أصحاب الخبرة بأن حضورهم غير مرغوب فيه، أو أن معايير الاختيار لا تكافئ العمل والإنجاز، فإنهم ينسحبون، وتفقد اللعبة جزءًا من ذاكرتها وخبرتها.

ثامنًا: المناصب لا تصنع الكفاءاتمن المؤسف أن يسعى بعض المسؤولين إلى المناصب الجامعية، بينما لا تتوفر لدى جمعياتهم قاعدة كافية من الممارسين، ولا عدد مناسب من الفئات العمرية، ولا مشروع رياضي واضح.فما قيمة المنصب إذا كانت الجمعية التي يمثلها لا تستطيع تكوين اللاعبين؟ وما جدوى الحضور داخل الأجهزة المسيرة إذا لم ينعكس على أرضية الملعب؟إن المسؤولية الرياضية ليست مكافأة على الولاء، ولا امتيازًا شخصيًا، ولا وسيلة لتصفية الحسابات. إنها تكليف يقتضي الخبرة والنزاهة والقدرة على العمل الجماعي وتحمل المسؤولية.والأجدر أن تُقاس قيمة المسؤول بما أنجزه، وبعدد الأطفال الذين أدخلهم إلى اللعبة، وبالفرق التي ساهم في تطويرها، وبالمدربين الذين ساعد على تكوينهم، وبالموارد التي جلبها، وبالمؤسسات التي تركها قادرة على الاستمرار بعد مغادرته.لا أزعم أن هذه الأسباب وحدها تفسر كل ما وقع، ولا أن كل مسؤول أو جمعية يتحمل المسؤولية نفسها. لكن تراكم هذه الاختلالات، كما عاينتها، يفرض وقفة صريحة وشجاعة.ولذلك، فإن إنقاذ الركبي المغربي يقتضي:

1. *تقييمًا مستقلًا وشفافًا للحصيلة:* نشر معطيات دقيقة عن عدد الجمعيات واللاعبين والفئات العمرية، والموارد المالية، والمنافسات، ونتائج المنتخبات، وتطور اللعبة خلال السنوات الماضية.

2. *إنهاء منطق الإقصاء:* اعتماد معايير واضحة لتوزيع المسؤوليات، والاستفادة من الكفاءات بصرف النظر عن انتماءاتها الانتخابية، وربط المناصب بالخبرة والإنجاز.

3. *إعادة بناء التكوين القاعدي:* الاستثمار في المدارس، والأطفال، والمدربين، والحكام، مع ضمان حماية الممارسين الصغار من العنف اللفظي وسوء المعاملة.

4. *إصلاح نموذج تمويل اللعبة:* تنويع الموارد، واستقطاب المستشهرين، وإعداد مشاريع قابلة للتمويل، وربط الدعم العمومي بحصيلة واضحة والتزامات قابلة للقياس.

5. إعادة الاعتبار للمؤسسات الرياضية:

مساعدة الجمعيات على بناء أجهزة مسيرة قادرة على الاستمرار، وحماية الملاعب، ومحاربة الجمعيات الشكلية التي لا تقدم مشروعًا رياضيًا حقيقيًا.

6. ربط المسؤولية بالمحاسبة:

تحديد أهداف سنوية معلنة، وتقييم مدى تحقيقها، ومصارحة الأسرة الرياضية بالنتائج والإخفاقات، بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات عند كل أزمة. كلمة أخيرةلقد عرفت الركبي المغربي في فترات سابقة حيوية وطموحًا، وأعرف أن بين أبنائه كفاءات وأشخاصًا صادقين ما زالوا يؤمنون بهذه اللعبة. لكن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي، والتاريخ الجميل لا يعفينا من مواجهة الحاضر.

إن الركبي لا يحتاج إلى مسؤولين يتقنون الحصول على المناصب بقدر ما يحتاج إلى مسؤولين يتقنون صناعة اللاعبين، وتكوين المدربين، وجلب الموارد، وبناء المؤسسات.لا يحتاج إلى منطق: إما أن أفوز وأتحكم، وإما أن أخسر فيهدم المعبد على من فيه. بل يحتاج إلى ثقافة تعترف بأن الفائز في الانتخابات ليس مالكًا للجامعة، وأن الخاسر ليس عدوًا للعبة، وأن الكفاءة لا تُقاس بمن صوّت لك، بل بما يستطيع أن يقدمه.

إذا استمر تقديم المصفقين على أصحاب الخبرة، والموالين على المستحقين، والمصالح الشخصية على مستقبل الأجيال، فإن الخطر لن يقتصر على تراجع النتائج؛ بل قد يصل إلى انكماش اللعبة إلى حد العجز عن الاستمرار.

أما إذا صُفّيت القلوب، واحترمت المؤسسات، وأُسندت المسؤوليات إلى أهلها، وعادت المحاسبة والشفافية والتكوين إلى صدارة الأولويات، فما زال بالإمكان إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

رسالتي إلى كل مسؤول جامعي، ورئيس جمعية، ومدرب، وفاعل في الركبي المغربي:

ماذا ستتركون وراءكم؟ منصبًا تتباهون به، أم لعبةً تتطور، وأطفالًا يحبونها، ومؤسساتٍ تستمر من بعدكمفالتاريخ لا يحفظ المناصب إلى الأبد، لكنه لا ينسى من خدم الرياضة بصدق، ولا من أضاع فرصها في صراعات كان يمكن تفاديها.

الركبي المغربي أكبر من الأشخاص، وأغلى من المناصب، ومستقبله أمانة في أعناق من يتولون تدبيره.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.