بقلم: ذ. محمد فحراوي مفتش سابق بقطاع التربية والتعليم
تُعد الانتخابات التشريعية إحدى أهم آليات الممارسة الديمقراطية، باعتبارها الوسيلة التي يختار من خلالها المواطنون ممثليهم داخل المؤسسة البرلمانية، والتي تساهم نتائجها في تشكيل الأغلبية الحكومية وتحديد ملامح السياسات العمومية خلال الولاية التشريعية. بيد أن الانتخابات التشريعية بالمغرب لم تعد مجرد موعد دوري للتوجه إلى صناديق الاقتراع، بل أصبحت مناسبة لإعادة طرح مجموعة من الأسئلة حول واقع الممارسة السياسية، ومدى ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة، وطبيعة العلاقة بين الناخب والمنتخب، وقدرة الأحزاب السياسية على تقديم بدائل وبرامج تستجيب للانتظارات الحقيقية للمجتمع.
فمن خلال متابعة النقاش السياسي والمناظرات الإعلامية وما يُتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يبدو أن هناك مجموعة من المفارقات التي تستحق الوقوف عندها، ليس بهدف التشكيك في العملية الانتخابية، وإنما من أجل التفكير في سبل تطويرها والارتقاء بها.
أولاً: مفارقة المشاركة السياسية والثقة:
من أبرز الإشكالات التي تواجه العملية الانتخابية ضعف الإقبال السياسي لدى فئات من المواطنين، مقابل استمرار الانتخابات باعتبارها الآلية الأساسية لإنتاج المؤسسات التمثيلية .
وتقدم نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2021 مؤشراً دالاً على هذه المفارقة؛ حيث بلغت نسبة المشاركة الوطنية 50.35%، مقابل 42.29% سنة 2016، وفق النتائج الرسمية. ورغم هذا التحسن، فإن النسبة تعني أن نحو نصف المسجلين في اللوائح الانتخابية شاركوا في الاقتراع، وهو ما يجعل مسألة المشاركة والثقة في المؤسسات جديرة بمزيد من التأمل.
فالمواطن قد يكون شديد الاهتمام بقضايا التعليم والصحة والشغل والأسعار والسكن والنقل والتنمية، لكنه قد لا يرى دائماً أن مشاركته الانتخابية قادرة على إحداث التغيير الذي يتطلع إليه. وهنا تبرز إشكالية جوهرية: كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين المواطن وصندوق الاقتراع؟
إن حث المواطنين على المشاركة لا ينبغي أن يقتصر على الحملات التي تسبق الانتخابات، بل يجب أن يواكبه عمل سياسي ومؤسساتي مستمر يجعل المواطن يشعر بأن صوته له قيمة، وأن اختياره الانتخابي يترتب عنه أثر حقيقي في السياسات العمومية.
ثانياً: مفارقة العلاقة بين الناخب والمنتخب :
من المفترض أن تكون الانتخابات بداية لعلاقة تمثيلية مستمرة بين المواطن وممثله، لا أن تنتهي هذه العلاقة بمجرد إعلان النتائج. غير أن التواصل بين الطرفين قد يصبح موسمياً؛ إذ يزداد حضور المرشح خلال فترة الحملة الانتخابية، ثم يتراجع حضوره بعد الوصول إلى المؤسسة المنتخبة. وهنا سؤال مشروع يطرح نفسه: هل ينبغي أن تنتهي علاقة النائب بالناخب بمجرد انتهاء يوم الاقتراع؟
إن الديمقراطية التمثيلية الحقيقية تقتضي استمرار التواصل، من خلال لقاءات دورية مع المواطنين، وتقديم حصيلة عن العمل البرلماني، والاستماع إلى القضايا والمشاكل التي تواجه السكان، والترافع بشأنها داخل المؤسسات. فالناخب لا ينبغي أن يكون حاضراً فقط يوم الإدلاء بصوته، بل يجب أن يكون حاضراً أيضاً في مرحلة التتبع والتقييم والمساءلة.
ثالثاً: مفارقة تعدد الأحزاب وتشتت الاختيارات:
يشكل التعدد الحزبي أحد مظاهر الحياة السياسية، ويمكن أن يكون مصدر غنى إذا كان يعكس اختلافاً حقيقياً في الأفكار والبرامج والاختيارات. لكن هذا التعدد قد يتحول إلى إشكال عندما يجد الناخب نفسه أمام عدد كبير من الأسماء والشعارات، دون أن يتمكن بسهولة من تلمس الفوارق الجوهرية بين البرامج السياسية. ذلك أن الناخب، اليو لا يحتاج فقط إلى شعارات انتخابية، وإنما يحتاج إلى برامج واضحة وقابلة للفهم والمقارنة والتنفيذ.
ترى ما هي الأولويات؟ ما هي الوسائل؟ ما هي الآجال؟ وما هي النتائج التي يلتزم الحزب أو المرشح بتحقيقها؟
تلكم هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في صلب النقاش الانتخابي، بدل الاكتفاء بالشعارات العامة والوعود التي يصعب قياس مدى قابليتها للتحقق.
رابعاً: مفارقة الأشخاص أم البرامج؟
من المفارقات التي تستحق التأمل أيضاً أن يتحول التنافس الانتخابي أحياناً من تنافس حول البرامج والسياسات العمومية إلى تنافس حول الأشخاص والصور والشعارات. وبطبيعة الحال، فإن شخصية المرشح وكفاءته ونزاهته عناصر مهمة في الاختيار، لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب السؤال الأساسي: ماذا سيقدم هذا المرشح؟ وما البرنامج الذي سيدافع عنه؟
إن الانتخابات ليست مسابقة في من تكون له شعبية، وإنما هي اختيار سياسي يفترض أن يمنح المواطن من خلاله ممثليه تفويضاً من أجل التشريع والرقابة والترافع والدفاع عن المصلحة العامة.
من هنا تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة سياسية تجعل البرنامج في قلب العملية الانتخابية، وتجعل تقييم المنتخب مرتبطاً بما أنجزه خلال ولايته، لا فقط بعدد الأصوات التي حصل عليها يوم الاقتراع.
خامساً: التراشق والتنابز اللفظي وتراجع أخلاقيات الخطاب السياسي:
إن من الظواهر التي أصبحت، اليوم، تثير القلق في المشهد السياسي والانتخابي ما يطفو أحياناً على سطح النقاش من تراشق بالألفاظ النابية، واتهامات متبادلة، وتجريح شخصي بين بعض الفاعلين السياسيين والأحزاب المتنافسة.
مما لا شك فيه أن الاختلاف السياسي يبقى أمرا طبيعيا في أي نظام ديمقراطي، بل إن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم دون تعدد الآراء وحرية النقد والمعارضة. لكن الاختلاف لا يعني الإساءة، والنقد السياسي لا يعني التجريح، والمنافسة الانتخابية لا ينبغي أن تتحول إلى خصومة شخصية.
والأخطر من ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تساهم أحياناً في تضخيم هذا النوع من الخطاب، فيجد المواطن نفسه أمام سجالات حادة وصراعات لفظية، بينما تتراجع في المقابل مساحة النقاش الجاد حول البرامج والحلول والسياسات العمومية. فالمواطن يريد أن يعرف كيف سيتم تحسين التعليم، وتطوير الصحة، وتوفير فرص الشغل، ودعم الاستثمار، وتحسين القدرة الشرائية، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية، وليس أن ينشغل طوال الوقت بمعرفة من هاجم من، ومن رد على من . لذلك، فإن الارتقاء بأخلاقيات الخطاب السياسي ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي إصلاح انتخابي.
سادساً: من انتخابات الأشخاص إلى انتخابات الاختيارات:
إذا كان الهدف هو تعزيز الثقة في العملية الانتخابية، فإن أحد المداخل الأساسية يتمثل في الانتقال من التركيز المفرط على الأشخاص إلى التركيز على الاختيارات والبرامج والنتائج. فالناخب ينبغي أن يكون قادراً على مقارنة البرامج، ومناقشة المرشحين، ومعرفة مواقفهم من القضايا الأساسية، ثم تقييم أدائهم بعد انتهاء الولاية. لأن من شأن ذلك أن يجعل الانتخابات عملية سياسية حقيقية، وليست مجرد مناسبة لتجديد النخب أو تغيير الوجوه. كما أن تقييم التمثيلية السياسية لا ينبغي أن يقتصر على عدد المقاعد، بل يجب أن يشمل أيضاً مدى تنوع النخب المنتخبة وحضور النساء والشباب وقدرتهم على التعبير عن مختلف مكونات المجتمع.
سابعاً: ما البدائل والإصلاحات الممكنة:
إن إصلاح العملية الانتخابية لا ينبغي أن يقتصر على تعديل تقني في القوانين، بل يتطلب رؤية متكاملة تشمل الأحزاب والمرشحين والناخبين والمؤسسات والإعلام. ومن بين البدائل والإصلاحات الممكنة التي يمكن التفكير فيه، نقترح ما يلي:
- جعل البرامج الانتخابية أكثر وضوحاً: أي تقديم برامج مختصرة ومحددة، تتضمن الأولويات والوسائل والآجال، حتى يستطيع المواطن مقارنتها بسهولة.
- تعزيز التواصل بين النواب والمواطنين: تشجيع المنتخبين على تنظيم لقاءات دورية وتقديم حصيلة عن عملهم البرلماني، حتى تظل الصلة قائمة بين الناخب وممثله طوال الولاية.
- تطوير المناظرات السياسية: إعطاء مساحة أكبر للنقاش المباشر بين المرشحين، حتى تكون المنافسة قائمة على الأفكار والحجج وليس على التجريح.
- ترسيخ أخلاقيات المنافسة الانتخابية: تشجيع الأحزاب والمرشحين على الالتزام بميثاق أخلاقي يرفض السب والقذف والتشهير ونشر الأخبار المضللة، ويحترم المنافس السياسي.
- تعزيز الشفافية: تقوية آليات مراقبة تمويل الحملات الانتخابية والتأكد من احترام القواعد القانونية، بما يعزز ثقة المواطن في نزاهة العملية الانتخابية.
- تشجيع الشباب على المشاركة: فتح المجال أمام الشباب للمشاركة الفعلية في الحياة الحزبية والانتخابية، باعتبارهم جزءاً أساسياً من مستقبل البلاد.
- ربط المسؤولية بالمحاسبة: تقييم أداء المنتخبين بناءً على ما قدموه خلال ولايتهم، وليس فقط على نتائج الانتخابات السابقة.
ثامناً: نحو ثقافة انتخابية جديدة:
إن تطوير الانتخابات لا يقع على عاتق الدولة والأحزاب وحدها، وإنما هو مسؤولية مشتركة تشمل المواطن والإعلام والمجتمع المدني والمؤسسات المنتخبة. فالمواطن بدوره مطالب بأن يجعل صوته أداة للاختيار الواعي، وأن يبتعد عن التصويت المبني على الاعتبارات الشخصية أو الوعود غير الواقعية. والإعلام مطالب بتوفير نقاش سياسي مسؤول، يضع البرامج والسياسات في صدارة الاهتمام، بدل التركيز المفرط على الصراعات والسجالات. أما الأحزاب، فعليها أن تدرك أن استعادة ثقة المواطن لا تتم بالخطاب الانتخابي وحده، وإنما بالممارسة اليومية وبالقدرة على الوفاء بالالتزامات.
خاتمة: أي انتخابات نريد؟
إن السؤال الأساسي اليوم ليس فقط: كم ستكون نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية؟ وإنما أيضاً: أي نوع من الانتخابات نريد؟ وأي نوع من المؤسسات نريد أن تنتجها؟
نريد انتخابات تجعل المواطن يشعر بأن صوته له قيمة، وتنتج برلماناً يعكس تطلعات المجتمع، وأحزاباً تتنافس بالبرامج والأفكار، ومنتخبين يخضعون للمساءلة والتقييم.
نريد منافسة سياسية تقوم على الاختلاف لا العداء، وعلى النقد لا التجريح، وعلى الحوار لا التراشق بالألفاظ النابية.
فالديمقراطية لا تُبنى يوم الاقتراع فقط، وإنما تُبنى قبل الانتخابات من خلال النقاش والاختيار، وبعدها من خلال العمل والمراقبة والمحاسبة.والرهان الحقيقي هو الانتقال من انتخابات الأشخاص إلى انتخابات البرامج، ومن منطق الخصومة إلى منطق المنافسة، ومن الوعود إلى النتائج، ومن العزوف إلى المشاركة الواعية، فإذا كان الاختلاف السياسي قوة، فإن تحويله إلى سب وتشهير وتراشق لفظي يسيء إلى السياسة قبل أن يسيء إلى السياسيين أنفسهم.
وفي النهاية، تبقى الانتخابات وسيلة وليست غاية؛ والغاية الحقيقية هي بناء مؤسسات تحظى بثقة المواطن، وتعمل من أجل الصالح العام، وتجعل من صوته الانتخابي أداة حقيقية للمشاركة في صناعة مستقبل الوطن.
