محمد الطالبي
لست ضد أي وزير بسبب شخصه أو انتمائه الحزبي، ولا أتعامل مع الإعفاء بمنطق التشفي أو تصفية الحسابات السياسية. لكنني أرفض أن ينتهي النقاش عند إعفاء الوزيرة، وكأن المسؤولية تبدأ عند الشخص المعفى وتنتهي عنده، دون مساءلة من اقترح ومن زكّى ومن تحمّل مسؤولية وصوله إلى البرلمان ثم إلى الحكومة.
إن إعفاء السيدة ماديحة خيير، الذي أعلنه بلاغ الديوان الملكي، يطرح سؤالاً سياسياً أكبر من قرار الإعفاء نفسه: هل تتحمل الوزيرة وحدها المسؤولية؟ أم أن المسؤولية تمتد إلى الحزب الذي اقترحها، وإلى رئاسة الحكومة التي قبلت تعيينها، وإلى منظومة الاختيار السياسي التي منحتها ثقة التمثيل البرلماني ثم المسؤولية الحكومية؟
أسجل بكل وضوح شجاعة اتخاذ قرار الإعفاء، وأعتبره قراراً كان الجميع يتمنى ألا نصل إلى لحظة تستوجبه. لكن الشجاعة في اتخاذ القرار لا ينبغي أن تحجب ضرورة البحث في الأسباب التي جعلت الوصول إليه ممكناً، ولا أن تتحول إلى مخرج مريح يعفي بقية الأطراف من الحساب.
كان من الممكن، بل كان من الواجب، تفادي هذا الإحراج لو كانت معايير الترشيح والتزكية والتعيين قائمة على الكفاءة والاستحقاق والمسؤولية، لا على الحسابات الحزبية الضيقة أو منطق توزيع المناصب.
إن الأحزاب ليست مجرد قنوات لاقتراح الأسماء، وليست رئاسة الحكومة مجرد جهة تمرر التعيينات. فكل من يرشح شخصاً لتحمل مسؤولية عمومية يضع جزءاً من مصداقيته السياسية على المحك، وكل من يوافق على تعيينه يتحمل بدوره مسؤولية الاختيار ونتائجه.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإعفاء الوزيرة، بل تحديد المسؤوليات السياسية بوضوح. ما مسؤولية الحزب الذي اقترحها؟ وما مسؤولية رئاسة الحكومة التي قبلت تعيينها؟ ومن يتحمل مسؤولية تقدير مدى أهلية المرشحة لتحمل هذه الحقيبة الوزارية؟
وأعتقد أن الحد الأدنى من المحاسبة السياسية يقتضي ألا يستمر من اقترح هذا الاختيار في الاستفادة من الثقة نفسها وكأن شيئاً لم يقع، وأن يُحرم، على الأقل، من إعادة تقديم مرشحين للمناصب الحكومية في هذه المرحلة، إلى حين تحمل مسؤوليته السياسية وتقديم التوضيحات اللازمة.
فليس من المقبول أن تتحمل الوزيرة وحدها كلفة الإعفاء، بينما يظل من أوصلها إلى البرلمان ومن اقترحها للوزارة بمنأى عن أي مساءلة.السياسة مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً، والمناصب تكليف وليست غنيمة، والإعفاء الذي لا تترتب عنه محاسبة سياسية يظل نصف قرار.
لا نريد تصفية حسابات مع أحد، ولا استهداف حزب دون آخر، بل نريد إرساء قاعدة واضحة: من يتحمل مسؤولية الاختيار يتحمل مسؤولية نتائجه، ومن يخطئ في التزكية لا ينبغي أن يظل محصناً من المحاسبة.لأن أخطر ما يمكن أن يقع هو أن يمر هذا الحدث دون حساب أو عقاب سياسي، وأن تتحول المسؤولية الحكومية إلى تجربة قابلة للإنهاء بإعفاء شخص واحد، فيما تبقى الجهات التي صنعت الاختيار خارج دائرة المساءلة.
المغرب يحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة، عنوانها الوضوح والمحاسبة وربط المسؤولية بالنتائج، حتى لا تصبح المناصب العمومية مجالاً لتجريب الاختيارات الحزبية على حساب ثقة المواطنين ومصداقية المؤسسات.
