نورالدين زوبدي
يعيش الفلاح المغربي، منذ سنوات، على وقع أزمات متتالية أرهقت كاهله وأضعفت قدرته على الاستمرار في نشاطه الزراعي، بفعل تداخل عوامل متعددة، بعضها مرتبط باختيارات السياسة الفلاحية، وبعضها الآخر تفرضه التحولات المناخية وتقلبات الأسواق وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وأمام هذا الوضع، باتت فئات واسعة من الفلاحين تواجه خطر الإفلاس، في ظل غياب حلول عملية تضمن استقرار مداخيلها وتحميها من الخسائر المتكررة.ويأتي قطاع الزيتون في مقدمة القطاعات التي تكشف بوضوح حجم الاختلالات التي تعاني منها المنظومة الفلاحية، حيث تحولت وفرة الإنتاج، التي يفترض أن تشكل مصدر قوة وثروة وطنية، إلى عبء ثقيل على المنتجين.
فضعف قدرات التصنيع والتخزين، وغياب استراتيجية تسويقية فعالة تستوعب الكميات المنتجة، جعلا الفلاح يجد نفسه أمام منتوج وفير، لكنه عاجز عن تسويقه بأسعار تضمن له تغطية تكاليف الإنتاج وتحقيق الحد الأدنى من الأرباح.
ولم تعد الأزمة ظرفية أو مرتبطة بموسم فلاحي بعينه، بل أصبحت تتخذ طابعا مقلقا مع تكرار انخفاض أسعار الزيتون خلال موسمين متتاليين، بالتزامن مع الارتفاع غير المسبوق في تكلفة اليد العاملة ومختلف مستلزمات الجني والإنتاج.
وفي ظل هذا التناقض بين تراجع المداخيل وتصاعد النفقات، يجد الفلاح نفسه مضطرا إلى تحمل خسائر قد تعصف بمستقبله الزراعي، وتدفع الكثيرين إلى التفكير في التخلي عن نشاطهم أو تقليص استثماراتهم.
والمثير للاستغراب في هذه الأزمة هو الصمت الذي يطبع موقف الجهات الوصية على القطاع، وكأن معاناة آلاف الفلاحين شأن لا يستدعي تدخلا عاجلا.
فكيف يمكن الحديث عن تنمية فلاحية مستدامة، وعن تشجيع الاستثمار في العالم القروي، بينما يترك المنتجون لمواجهة تقلبات السوق بمفردهم؟ وأي معنى لوفرة الإنتاج إذا كانت نتيجتها تهديد مصدر رزق الفلاح بدل تحسين أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية؟
إن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الحكومة قادرة على تحويل وفرة الزيتون إلى نعمة، بل متى ستنتقل من تدبير الأزمة إلى اعتماد سياسة استباقية تجعل من هذا المنتوج الاستراتيجي رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فالزيتون ليس مجرد محصول موسمي، بل ثروة وطنية يمكن أن تساهم في خلق آلاف مناصب الشغل، وتنشيط الصناعات الغذائية، وتعزيز الصادرات وجلب العملة الصعبة، فضلا عن دعم الأمن والسيادة الغذائيين للمملكة.
وأولى الخطوات العملية التي يمكن اعتمادها للتخفيف من حدة الأزمة تتمثل في إقرار دعم موجه لتخزين الزيتون وزيت الزيتون، بما يسمح بامتصاص فائض العرض خلال فترات الذروة، وتفادي انهيار الأسعار نتيجة تكدس المنتوج في الأسواق.
ويمكن الاستفادة، في هذا المجال، من التجارب المعتمدة في تدبير بعض المنتجات الفلاحية، ومنها الحبوب، مع تكييف آليات الدعم والتخزين مع الخصوصيات التقنية والتجارية لقطاع الزيتون.
كما ينبغي التفكير في آليات تحفيزية للتصدير، تساعد على توسيع الأسواق المستهدفة وتصريف الفائض بأسعار أكثر إنصافا للمنتجين.أما المدخل الثاني، فيكمن في تشجيع تأسيس التعاونيات الفلاحية وتطوير قدراتها في مجالات التجميع والتخزين والتصنيع والتسويق.
فمن شأن تنظيم الفلاحين في إطار تعاونيات قوية أن يعزز قدرتهم التفاوضية أمام الوسطاء والمشترين، ويحد من البيع الاضطراري بأسعار متدنية، فضلا عن ضمان شروط أفضل للحفاظ على جودة المنتوج.
كما أن الاستثمار في وحدات العصر والتخزين والتعبئة والتلفيف من شأنه أن يرفع القيمة المضافة، ويفتح آفاقا جديدة أمام تسويق زيت الزيتون المغربي في الأسواق الوطنية والدولية.ولا ينبغي أن تقتصر جهود إنقاذ القطاع على دعم الإنتاج والتخزين والتصدير، بل يجب أن تشمل أيضا تحفيز الاستهلاك الداخلي لزيت الزيتون عبر حملات إشهارية وتوعوية تبرز قيمته الغذائية والصحية، مع احترام الضوابط العلمية في تقديم المعلومات المرتبطة بفوائده.
فرفع مستوى الاستهلاك الوطني من شأنه أن يساهم في توسيع الطلب، وتخفيف الضغط على الأسواق خلال مواسم الوفرة، وربط المواطن بشكل أكبر بهذا المنتوج المحلي الذي يشكل جزءا من الموروث الغذائي المغربي.
وتقدم تجارب دول مثل تونس وإسبانيا وإيطاليا نماذج مهمة في تطوير قطاع الزيتون، من خلال دعم المنتجين، وتحسين قدرات التخزين والتحويل، وتطوير العلامات التجارية، وتنظيم عمليات التصدير والترويج في الأسواق الدولية. والاستفادة من هذه التجارب لا تعني استنساخها بشكل حرفي، وإنما دراسة الآليات التي أثبتت فعاليتها وتكييفها مع واقع الفلاحة المغربية، بما يضمن التوازن بين مصالح المنتجين ومتطلبات السوق، ويحول دون أن يؤدي ارتفاع الإنتاج إلى انهيار الأسعار وتفاقم الخسائر.
إن إنقاذ فلاح الزيتون من شبح الإفلاس لم يعد يحتمل مزيدا من التأجيل أو الاكتفاء بالوعود والتصريحات، بل يستدعي تدخلا حكوميا عاجلا، برؤية واضحة وإجراءات ملموسة، تبدأ بدعم التخزين والتسويق والتصدير، ولا تنتهي عند إعادة هيكلة القطاع وتعزيز تنظيم المنتجين وتثمين المنتوج.
فإما أن تتحول وفرة الزيتون إلى فرصة حقيقية لخلق الثروة وتحسين دخل الفلاحين وتقوية الاقتصاد الوطني، وإما أن تستمر المفارقة المؤلمة التي تجعل من موسم الوفرة موسما للخسارة.
وبين الخيارين، يبقى السؤال الذي ينتظر الفلاح المغربي جوابا عنه بإلحاح: من ينقذه اليوم قبل أن تتحول الأزمة إلى إفلاس يصعب تداركه؟