الخبير محمد سعاف
قرأت باهتمام تحليل الأستاذ نورالدين زوبدي “وفرة الإنتاج تهدد الفلاح بالإفلاس”، وأتفق معه في جوهر التشخيص: الفلاح اليوم يبيع بخسارة. لكن تسمية ما يحدث “أزمة وفرة” تجميل للحقيقة.
نحن لا نعاني من فائض إنتاج، بل من فائض فوضى. الوفرة بريئة، المنظومة هي المدانة.والدليل جاء هذا الموسم: المحصول تراجع في عدة مناطق، ومع ذلك تواصل الأسعار انخفاضها، لأن المعاصر ما تزال مثقلة بمخزون الموسم القياسي الماضي.بلا آلية موازنة، تتحول وفرة سنة واحدة إلى عقوبة لسنتين.
ثلاث مفارقات تلخص عشرين سنة من الاختيارات:
① نزرع الماء ونحصد الخسارةانتقلت مساحة الزيتون في 15 سنة من 770 ألف هكتار إلى أكثر من 1,2 مليون هكتار، دون أن نطرح سؤال الماء. ننتج في مناطق تعاني إجهادا مائيا حادا، بكلفة سقي مرتفعة، ثم نبيع بـ 3 دراهم للكيلو. نحن عمليا نصدّر الماء الافتراضي على شكل زيتون رخيص.
② الفلاح يخسر… والمستهلك لا يربح بمردودية 14 إلى 18 لترا للقنطار، يحتاج لتر الزيت حوالي 6 كيلوغرامات من الزيتون. عند 3 دراهم للكيلو، لا يصل الفلاح من قارورة 85 درهما سوى قرابة 20 درهما، أي أقل من الربع. الباقي يتوزع على العصر والتعبئة والنقل…وعلى الوسطاء وسوق سائبة تمر عبرها أربعة لترات من كل خمسة دون تتبع ولا مراقبة صحية.
③ الدولة حاضرة في الغرس، غائبة في الجنيندعم الشتلات والآبار وتجهيز الضيعات، ونترك الفلاح وحيدا في التسويق والتثمين. أجرة الجني تتراوح اليوم بين 150 و300 درهم في اليوم، وكلفة الجني وحدها تقارب درهمين للكيلو، أي ما قد يصل إلى نصف ثمن البيع. دعمنا المنبع ونسينا المصب.
الحلول المقترحة من تخزين وتعاونيات وتحفيز للاستهلاك الداخلي ضرورية، لكنها لن تكفي دون ثلاثة قرارات جريئة:
1. صندوق وطني لموازنة القطاع: يشتري الفائض في سنوات الذروة بسعر مرجعي لا يقل عن 6 دراهم للكيلو، يخزنه ويحوله، ثم يضخه في سنوات الندرة.
2. تتبع إلزامي وختم جودة وطني: مختبرات جهوية متنقلة وعقوبات زجرية، حتى يستعيد المستهلك ثقته.
3. دعم مشروط بالنجاعة المائية لا بعدد الأشجار: وقف دعم الغرس في المناطق العاجزة مائيا، وربط كل دعم بالسقي الموضعي المقنن وبوحدات تثمين جماعية.
لم نعد في حاجة إلى شعار “مليون هكتار إضافي”، بل إلى سؤال واحد:
كم درهما من الدخل نخلق من كل متر مكعب ماء؟هل نريد فلاحة تُغني الفلاح، أم فلاحة تُغني الأرقام في التقارير؟