بقلم : محمد فحراوي مفتش تربوي سابق
في الحياة السياسية، ليست الكلمات مجرد أصوات عابرة، ولا التصريحات مجرد مواقف يمكن أن تنتهي بانتهاء المناسبة التي قيلت فيها. فالكلمة السياسية قد تبني الثقة، وقد تهدمها؛ وقد تقرب بين المواطنين، وقد تعمق الانقسام بينهم. ولذلك فإن أخلاقيات الخطاب السياسي ليست مسألة هامشية، وإنما هي جزء أساسي من جودة الممارسة الديمقراطية.
في المغرب، حيث أرسى دستور 2011 مجموعة من المبادئ المرتبطة بالديمقراطية والحقوق والحريات والمشاركة السياسية، تزداد أهمية السؤال حول طبيعة الخطاب الذي يقدمه الفاعلون السياسيون إلى المواطنين: هل هو خطاب يقوم على الحجة والبرنامج والإقناع؟ أم يتحول أحياناً إلى خطاب يقوم على التجريح والتخوين وتبادل الاتهامات؟
الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع
صحيح أن الانتخابات تشكل إحدى أهم آليات التعبير عن الإرادة الشعبية، وقد نص الدستور صراحة على أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي. لكن الديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع ولا تنتهي بإغلاق صناديق التصويت؛ وإنما هي ثقافة وممارسة وسلوك يومي؛ ومن هنا فإن أخلاقيات الخطاب السياسي ينبغي أن تكون حاضرة قبل الانتخابات وأثناءها وبعدها.
إن السياسي الذي يطلب ثقة المواطن ينبغي أن يخاطبه باحترام، وأن يقدم له برنامجاً واضحاً، وأن يشرح له ما يستطيع تحقيقه وما لا يستطيع تحقيقه، بعيداً عن المبالغة والوعود التي لا تستند إلى إمكانات واقعية.
الاختلاف السياسي لا يبرر الإساءة
من طبيعة العمل السياسي أن تختلف الأحزاب والمرشحون حول البرامج والاختيارات والسياسات العمومية. وهذا الاختلاف ليس عيباً، بل هو أحد شروط التعددية السياسي، لكن الخط الفاصل بين الاختلاف الديمقراطي والخصومة غير الأخلاقية يبدأ عندما يتحول نقد الأفكار إلى استهداف الأشخاص.
يمكن للسياسي أن يقول: “أختلف مع هذا البرنامج”، وأن يشرح أسباب اختلافه، وأن يقدم بديلاً أفضل في نظره. لكن لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى السب أو السخرية أو التشهير أو المساس بالكرامة الشخصية. فليس من قوة السياسي أن يهين خصمه، وإنما قوته الحقيقية في أن يقدم حجة أقوى من حجته.
من نقد السياسات إلى تجريح الأشخاص
من المظاهر التي تثير القلق في الخطاب السياسي المعاصر انتقال بعض النقاشات من نقد السياسات العمومية إلى مهاجمة الأشخاص، فعندما تصبح المناظرات السياسية مناسبة لتبادل الشتائم والاتهامات الشخصية، يفقد المواطن تدريجياً اهتمامه بجوهر النقاش: ما البرنامج؟ ما البدائل؟ ما مصادر التمويل؟ وما النتائج المنتظرة؟ وهنا تتحول السياسة من منافسة بين مشاريع إلى منافسة في رفع الصوت واستعمال العبارات الأكثر إثارة.
إن المجتمع لا يحتاج إلى سياسيين يتقنون الإساءة إلى خصومهم، وإنما يحتاج إلى سياسيين يتقنون الدفاع عن أفكارهم.
حرية التعبير تقابلها المسؤولية
إن احترام أخلاقيات الخطاب السياسي لا يعني التضييق على حرية الرأي والتعبير. فالدستور المغربي يضمن حرية الفكر والرأي والتعبير، كما أن التعددية والاختلاف جزء من الحياة الديمقراطية. لكن الحرية لا ينبغي أن تفهم باعتبارها إعفاء من المسؤولية.
حين يدلي سياسي بتصريح أمام جمهور واسع، أو ينشر موقفاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه لا يخاطب عدداً محدوداً من الأشخاص، وإنما قد يصل كلامه في دقائق إلى جمهور واسع. ولذلك فإن مسؤولية التحقق من المعلومات، واحترام المخالف، وتجنب الإشاعات والاتهامات غير المؤسسة، أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
وسائل التواصل الاجتماعي بين التواصل السياسي والفوضى الخطابية
لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي قواعد اللعبة السياسية. فقد أصبح بإمكان المرشح أن يتواصل مباشرة مع المواطن دون المرور دائماً عبر الوسائط التقليدية. وهذه فرصة مهمة لتقوية التواصل السياسي، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر حقيقية.
إن انتشار مقطع قصير أو تصريح مثير قد يكون أسرع بكثير من انتشار برنامج انتخابي كامل. وقد تتحول عبارة استفزازية إلى موضوع للنقاش العام، بينما تبقى الأفكار الجادة بعيدة عن الاهتمام. وهنا تبرز مسؤولية السياسي والمواطن والإعلام معاً السياسي مسؤول عن مضمون خطابه، والمواطن مسؤول عن طريقة تفاعله معه، والإعلام مسؤول عن المساهمة في تقديم نقاش عمومی جاد ومتوازن.
المواطن ليس مجرد صوت انتخابی
من أهم أخلاقيات الخطاب السياسي احترام ذكاء المواطن. لأن المواطن المغربي اليوم أصبح أكثر قدرة على المقارنة والتحقق وطرح الأسئلة، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد صوت انتخابي يتم استمالته خلال فترة الحملة.
إن احترام المواطن يعني تقديم المعلومات بصدق، والاعتراف بصعوبة بعض الملفات، والتمييز بين ما يمكن إنجازه فعلاً وما يحتاج إلى سنوات وإمكانات كبيرة.
إن الوعود الانتخابية غير الواقعية قد تحقق مكسباً سياسياً مؤقتاً، لكنها تساهم على المدى البعيد في إضعاف الثقة في المؤسسات وفي العمل السياسي.
الحملة الانتخابية امتحان حقيقي للأخلاق السياسية
تعتبر الحملة الانتخابية من أكثر المراحل التي تظهر فيها حقيقة الخطاب السياسي. ففي هذه المرحلة يتنافس المرشحون على ثقة الناخبين، ومن الطبيعي أن يحاول كل طرف إبراز نقاط قوة برنامجه ونقاط ضعف برامج منافسيه؛ لكن المنافسة الديمقراطية لا ينبغي أن تتحول إلى حرب كلامية.
إن القانون المغربي وضع إطاراً منظماً للعملية الانتخابية والحملات الانتخابية، بما في ذلك استعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات. كما أن المنظومة الانتخابية تقوم على مبادئ النزاهة والشفافية وصدق العملية الانتخابية. غير أن احترام القانون، مهما كان ضرورياً، لا يكفي وحده. فالممارسة السياسية تحتاج أيضاً إلى ضمير أخلاقي يوجه سلوك الفاعل السياسي حتى في المجالات التي قد لا يغطيها النص القانوني بالتفصيل.
السياسي الناجح ليس بالضرورة السياسي الأكثر صخباً
لقد أصبح من السهل في عصر الإعلام الرقمي أن يحقق التصريح الصادم انتشاراً واسعاً، لكن الانتشار لا يعني بالضرورة النجاح السياسي.
إن السياسي الذي يرفع صوته أكثر ليس بالضرورة صاحب الحجة الأقوى، والسياسي الذي يهاجم خصومه باستمرار ليس بالضرورة صاحب المشروع الأفضل السياسة في جوهرها هي القدرة على الإقناع والتفاوض وإيجاد الحلول وإدارة الاختلاف. ولهذا فإن الهدوء لا يعني الضعف، واحترام الخصم لا يعني التنازل عن الموقف، والاعتراف بخطأ سياسي لا يعني الهزيمة.
نحو ثقافة جديدة للخطاب السياسي
إن الارتقاء بالخطاب السياسي المغربي مسؤولية جماعي؛ ذلك أن الأحزاب مطالبة بتكوين وتأطير مناضليها ومرشحيها على ثقافة الحوار واحترام الاختلاف، والمرشحون مطالبون بتقديم خطاب مسؤول يقوم على البرامج والوقائع، والإعلام مطالب بإعطاء مساحة أكبر للنقاش الجاد بدل التركيز فقط على التصريحات المثيرة، والمواطن بدوره مطالب بعدم مكافأة الخطاب المسيء بالانتشار والتفاعل.
كما أن من المفيد التفكير في تعزيز مواثيق أخلاقية داخل الحياة الحزبية والانتخابية، تجعل من احترام المنافس، والتحقق من المعلومات، والابتعاد عن خطاب الكراهية والتجريح، جزءاً من قواعد الممارسة السياسية السليمة.
أخلاقيات الخطاب السياسي تبدأ من الاعتراف بالآخر
قد يكون أعظم اختبار لأخلاق السياسي هو قدرته على احترام خصم ؛ . ذلك أن الخصم السياسي الحقيقي ليس عدواً للوطن، والاختلاف معه لا يعني بالضرورة سوء النية، كما أن الانتماء إلى حزب آخر لا يسقط عن صاحبه حقه في الاحترام.
إن المجتمع الديمقراطي لا يحتاج إلى أن يتفق أفراده في كل شيء؛ بل يحتاج إلى أن يتعلموا كيف يختلفون دون أن يتحول اختلافهم إلى عداء. وهنا تكمن قيمة الخطاب السياسي الناضج أن يفتح أبواب الحوار بدل أن يغلقها، وأن يقدم الحلول بدل أن يكتفي بتوزيع الاتهامات، وأن يخاطب العقل بدل أن يستثير الغرائز.
على سبيل الخاتم
إن مستقبل الديمقراطية لا يتوقف فقط على القوانين والمؤسسات، وإنما يتوقف أيضاً على الثقافة السياسية التي تحيط بها؛ فحين يصبح السب والتجريح وسيلة للحصول على الأصوات، يخسر الجميع وحين يصبح الكذب والمبالغة وسيلة للتعبئة الانتخابية، تتراجع الثقة، وحين تتحول السياسة إلى صراع بين الأشخاص بدل أن تكون تنافساً بين البرامج، يصبح المواطن هو الخاسر الأكبر. لذلك، فإن الحاجة اليوم ليست إلى خطاب سياسي أكثر صخباً، وإنما إلى خطاب أكثر صدقاً ونضجاً ومسؤولية.
نحتاج إلى سياسة تختلف دون أن تسيء ، وتنتقد دون أن تجرح، وتنافس دون أن تكره، وتعد دون أن تبيع الأوهام. لأن الكلمة السياسية هي أخلاق قبل أن تكون أداة انتخابية، واحترام الخصم ليس ضعفاً، والاختلاف ليس عداءً، والمنافسة الديمقراطية لا تكتمل إلا عندما يحكمها الاحترام.
إن الارتقاء بأخلاقيات الخطاب السياسي هو في حد ذاته ارتقاء بالديمقراطية وبالمجتمع وبالثقة في المؤسسات.
المرجعيات المستوحى منها أفكار هذا المقال:
• دستور المملكة المغربية لسنة 2011 ، وخاصة المقتضيات المتعلقة بالديمقراطية التمثيلية، وحرية الرأي والتعبير، والأحزاب السياسية والانتخابات.
• القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، كما وقع تغييره وتتميمه.
• القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية.
• القوانين التنظيمية المتعلقة بانتخاب أعضاء مجلس النواب ومجلس المستشارين ومجالس الجماعات الترابية.
• المبادئ العامة لحقوق الإنسان المتعلقة بحرية الرأي والتعبير واحترام حقوق الآخرين والحوار الديمقراطي.
