بقلم: المصطفى لحميدي
يتابع الرأي العام الوطني، بكثير من الامتعاض والاستغراب، جدار الصمت المطبق الذي تلوذ به قيادة حزب الاستقلال، وفي طليعتها أمانته العامة، إزاء السقطات التواصلية المتوالية لأحد وجوهه البرلمانية؛ وهي الخرجات التي فجرت زلزالاً من اللغط والسخط العارم على امتداد التراب الوطني.
فأن ينبري ممثل للأمة من تحت قبة التشريع ليوسم سعر 250 درهماً للكيلوغرام الواحد من لحم الخروف بـ”الرخيص جداً”، متبجحاً بالدفاع عن الكسابة والمربين ومعترضاً على نعت الوسطاء بـ”الشناقة” بدعوى أنها “تجرح مشاعرهم”، فذلك يتجاوز بكثير حدود “زلة اللسان” العابرة، ليكون مرآة عارية تفضح هوة سحيقة تفصل النخبة المنتخبة عن وجع مغاربة أنهكهم لهيب الغلاء.
غير أن ما يثير الريبة ويضاعف الصدمة، ليس فحوى التصريح المقيت فحسب، بل هذا التمترس الحزبي غير المفهوم خلف صمت القبور.
إن هذه الشطحات غير الموفقة، بما حملته من استفزاز مجاني لمشاعر الكادحين، تمس في جوهرها الصميم بتاريخ حزب الاستقلال العريق ومحطات نضالاته المجيدة التي خطها إلى جانب الشعب وفي خندق طبقاته المستضعفة.
وأمام هذا العصف بمصداقية الخطاب التاريخي لـ”حزب علال الفاسي “، تقف أبصار المواطنين اليوم مشدودة نحو القيادة، مترقبة بفارغ الصبر بلاغا رسميا أو موقفا حاسما من الأمانة العامة يقطع دابر الشك باليقين؛ إذ إن الاستمرار في سياسة التواري والتغاضي لا يمكن قراءته في العرف السياسي سوى تزكية ضمنية ومباركة صريحة لخطاب يعادي السلم الاجتماعي.
هذا العقم التواصلي يعيد إلى الواجهة عيبا هيكليا يعاني منه المشهد الحزبي في تدبير أزماته؛ فغياب “لجان اليقظة” وجمود المساطر التأديبية وميثاق الأخلاقيات، يحول المؤسسات التي افترض فيها أن تكون منارات لتأطير المواطنين إلى هياكل باهتة تكتفي بمنح التزكيات الموسمية بعيداً عن أي حسيب أو رقيب.
ومما زاد الطين بلة، أن هذا السكوت المريب يتناسل في توقيت مشحون وملغوم يطبعه طعن انتخابي يتربص بمقعد المعني بالأمر بدائرة السراغنة زمران، ليتحول الصمت من مجرد ارتباك تدبيري إلى مأزق سياسي خانق يضع الحزب بأسره في قفص المساءلة الشعبية الأخلاقية.
إن أمانة حزب الاستقلال وقادته أمام محك تاريخي لا يقبل أنصاف الحلول؛ فإما الخروج الفوري من دائرة الرماد ولغة النعام عبر بلاغ صريح وفك ارتباط لا لبس فيه مع كل خطاب يستفز كرامة المغاربة ويحقر معاناتهم، وإما الاستعداد لأداء فاتورة سياسية باهظة ستقتطع بلا رحمة من رصيد حزب يوشك على قطع حبل الوريد الذي يصله بنبض الشارع.
