هزلت، والله! إلى أي حد يمكن أن يبلغ الانحدار في الخطاب السياسي حين تمتد الألسنة إلى قامة وطنية من حجم القائد والمقاوم والمناضل محمد بنسعيد آيت إيدر، لتصفه بالعمالة؟!
إننا أمام سلوك يثير الاستنكار، ليس لأن بنسعيد آيت إيدر فوق النقد أو المساءلة التاريخية، فالشخصيات الوطنية، مهما بلغت مكانتها، تظل موضوعا للنقاش والتقييم، ولكن لأن هناك فرقا شاسعا بين الاختلاف السياسي المشروع وبين إطلاق اتهامات خطيرة تمس الشرف الوطني والنضالي لرجل ارتبط اسمه بمقاومة الاستعمار والدفاع عن الحرية والكرامة والديمقراطية.
إن بنسعيد آيت إيدر ليس اسما عابرا في تاريخ المغرب الحديث، ولا شخصية يمكن اختزال مسارها بكلمة طائشة أو اتهام مجاني. إنه أحد رموز الحركة الوطنية والمقاومة المغربية، ومن الوجوه التي ارتبطت مسيرتها بالنضال السياسي والدفاع عن قيم التحرر والعدالة.
ومهما اختلفت القراءات والتقييمات بشأن مواقفه، فإن احترام تاريخه يظل واجبا أخلاقيا، والحديث عنه يقتضي قدرا من المسؤولية والمعرفة والإنصاف.
فهل أصبح التطاول على رموز الوطن وسيلة سهلة لصناعة الإثارة السياسية؟ وهل صار إطلاق الاتهامات بديلا عن الحجة والبرهان؟إن المسؤولية السياسية والأخلاقية للنائب تفرض عليه أن يكون في مستوى المؤسسة التي يمثلها، وأن يدرك أن الكلمة الصادرة عنه ليست مجرد رأي عابر، بل موقف يتحمل مسؤوليته أمام المواطنين والتاريخ.
فالصفة التمثيلية لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية، ولا تعفيه من واجب احترام الذاكرة الوطنية ورموزها.وإذا كان لدى أي سياسي ما يدفعه إلى الاعتراض على موقف تاريخي أو سياسي لبنسعيد آيت إيدر، فإن الطريق واضح: تقديم الوقائع والحجج، ومناقشة المواقف في سياقها التاريخي، والالتزام بأدب الاختلاف.
أما رمي رجل بهذه القامة النضالية بتهمة العمالة، من دون أدلة واضحة وموثوقة، فهو انزلاق خطير في الخطاب السياسي، وإساءة لا تطال الشخص المعني وحده، بل تمس أيضا مستوى النقاش العمومي وثقافة الاعتراف بالتضحيات الوطنية.
إن المغرب الذي يعتز بتاريخه في مقاومة الاستعمار، وبما قدمه رجاله ونساؤه من تضحيات من أجل الحرية والاستقلال، لا يحتاج إلى خطابات التشهير، بل إلى سياسيين يزنون كلماتهم، ويحترمون عقول المواطنين، ويدركون أن الاختلاف لا يبرر المساس بكرامة الناس ولا تشويه تاريخهم.
إن الاختلاف مع بنسعيد آيت إيدر حق، أما التشهير به فليس شجاعة سياسية. والنقد حق، أما الاتهام بلا بينة فليس ممارسة ديمقراطية.
ومن حق الرأي العام أن ينتظر من النائب المعني توضيحا مسؤولا لما صدر عنه، وتقديم ما يستند إليه من حجج إن كان يتحدث عن وقائع محددة، أو التراجع والاعتذار إن كان قد تجاوز حدود النقد المسؤول.فالتاريخ لا يكتب بالصراخ، والوطنية لا تقاس بعلو الصوت، والبطولات لا تمحوها تصريحات عابرة. أما الذاكرة الوطنية، فليست ملكا لفرد أو حزب، حتى يُسمح لأي كان بأن يعبث بها وفق أهوائه وحساباته السياسية.
هزلت، والله، حين يصبح التطاول على قامات النضال مادة للخطاب السياسي! لكن التاريخ سيظل أوسع من التصريحات، وأبقى من أصحابها.
– عبد الرحمان سوسو

