رأي

قلعة السراغنة من التمدن إلى الترييف

أحيانا لا تترك الغيرة الإنسان يرتاح ، من الشيء الذي يعشقه ، ما داموا يسرقون منه جماله و نبله و شموخه و يعرضونه للإهمال أو يصيبونه في ذاته بأمراض خبيثة مفضية إلى الموت البطيء . فإذا أصيب المعشوق فإن العاشق هو أيضا مصاب.

إن غيرتي على مدينتي، مسقط رأسي، مدينة قلعة السراغنة، هي غيرة العاشق على المعشوق ، كقول يوسف زيدان: “من أركان العشق، صومُ القلب والعين والعقل عن رؤية ما سوى المعشوق.. والعيش له، وبه، وفيه”. و قول أبو حيان التوحيدي: “العشق جليس ممتع، وأليف مؤنس، و ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب و خواطرها .

لا تتركني الغيرة على مدينتي ، كغيرتي على وطني ، أرتاح و أنا أراها تضيع أمام عيني و أعين أمثالي من أبنائها البررة. عشقت مدينتي منذ نعومة أظافري، لأنها كانت توفر لنا الدفء الاجتماعي و الظل الأخلاقي و القيم الاجتماعية.

كانت تنمو في انسجام عمراني يطبعها التوازن البيئي والايكولوجي و يميز حاراتها الذكاء الهندسي المستوحى من الموروث والتقاليد والأعراف التي تستجيب للحياة الأسرية و توفر الطمأنينة و السكينة . في كل حارة كتاب قرآني يوفر لأطفالها شروط حفظ القرآن . و المدارس القرآنية و المدارس العصرية كانت قيمة مضافة من العلم والتعلم ، مما جعل شباب المدينة يحتل الرتب الأولى في المؤسسات الثانوية بمراكش ثم بالجامعات الوطنية و الجامعات بالخارج .

كل ذلك كان من إنتاج مدينة تلقن أبناءها بدور العلم و المحبة و التضامن . و انتقلت المدينة الصغيرة التي وصفها الفرنسيون ب ” cité el kelaa ” على غرار المدن الصغيرة بفرنسا إلى مركز مستقل .وكتب عنها أستاذ من قلعة السراغنة نصا بالفرنسية واصفا إياها بـ الوردة وسط الجنان ، لأنها تنمو وسط ثروة من الأشجار و الأغراس المتنوعة حتى الوافدة منها من آسيا و أوروبا على يد المستعمر.

و استمرت تنمو في هدوء و في توازن حضاري و تمدن ، تعيش في راحة بين حاضرها و تاريخها الذي كانت تجسده معالم تاريخية مثل سور القلعة الراشية الذي كان موضوع حكايات و ملحمات تاريخية ، و دار الزليج الشاهدة على نمط القصور الفارهة و على كنوز القياد و الحكام ،كنوز من ذهب ومن فضة تم اكتشافها في بداية الثمانينات من القرن الماضي ، و باب الناعورة ، كمعلمة كانت سابقة للتاريخ فيما يتعلق بنقل المياه من الأسفل من السواقي الجارية إلى الأعلى ليشمل ربوع المدينة . و برج الملاح التي يشهد على نمط الحكم في المدينة إبان الاستعمار خاصة و قصر الطوكي بباب المحروق.

عرفت مدينة قلعة السراغنة قفزة نوعية بعد أن أصبحت عاصمة الإقليم في 1973 و عرفت مشاريع تنموية و إضافة أحياء حديثة و مركب رياضي و ثانويات و تنزيل مصالح إقليمية كانت تابعة لمراكش ،و من منتصف السبعينات حتى بداية الثمانينات عرفت مشاريع تنموية و اقتصادية وبنية تحتية متميزة و مؤسسات تربوية و تعليمية و اجتماعية إضافية .

و أصبحت ذات إشعاع وطني وجهوي بفعل برامجها التنموية والتطور الحضاري الذي يواكبه النمط البيئي المتميز من حدائق وساحات عمومية ذات جاذبية رفيعة (ساحة الحسن الثاني قبل أن يصيبها الدمار) . حتى أنها صنفت من من المدن المغربية الأكثر نظافة حيث فازت بميدالية ذهبية من وزارة الداخلية وأخرى من الجهة و فازت بشاحنة من الطراز العصري لنقل النفايات ،كان ذلك سنة 1980 .

لكن سرعان ما بدأت تتربص بها سياسة الترييف بضم دواوير اليها و خلق بؤر من البناء العشوائي لفائدة من يدفع من الذين غادروا البوادي جراء الجفاف حتى اتسعت رقعة البناء غير القانوني و واكبه تنامي البناء العشوائي و النقل عبر العربات المجرورة و تحطيم البيئة من أشجار و أغراس و تنامي الأسواق العشوائية (الجوطيات ) و الأحياء العشوائية في مناطق بالمدينة كانت محرمة من البناء حسب التصميم المعماري للمدينة مما جعل المدينة تتحول تدريجيا إلى تجمعات سكنية من الإسمنت المسلح و تجزئات تطغى عليها المضاربة العقارية و الربح السريع ، في غياب أبسط الشروط التي يتطلبها الفن المعماري والبيئي و الذوق السليم في وضع التصاميم. عمارات متناثرة هنا وهناك تبعث عن البؤس و ضيق النفس .

وتحولت الشوارع، التي أغلبها مجهولة الإسم ، إلى مجالات للباعة الجائلين و المشردين والمختلين عقليا ، الذين أصبحوا يشكلون خطرا على الساكنة ، و عربات مجرورة للنقل و غيرها من وسائل النقل العشوائية . لم تتركها ايادي الاحتكار و الإثراء غير المشروع و الريعيون وأعداء التنمية والتقدم من سلطات محلية و إقليمية و منتخبين أن تخرج من عنق الزجاجة حتى ترى النور و مشاريع اجتماعية واقتصادية منها: مستشفى إقليمي بمواصفات وطنية و دولية التي تستجيب لحاجيات الساكنة المحلية والإقليمية ، جامعة على غرار الجامعات الوطنية من حيث الفضاء المناسب و سهولة الولوج ، و حي جامعي لضمان استقرار الطلبة والطالبات الوافدين، مجمع صناعي يستجيب للشروط الصحية والبيئية و يوفر فرص الشغل للشباب ، نقل حضاري يعطي للمدينة طابع التمدن و يوفر الأمن و الأمان للساكنة و يربط بين المركز والمحيط، ونقل عبر السكة الحديد بواسطة حافلات” سوبراتور” على غرار مدن في الجنوب، و مخيمات أو مراكز للتخييم حسب المواسم السنوية، تخصص للأطفال و الشباب و للأسر، مراكز إعادة تأهيل الأطفال الذين غادروا الدراسة من أجل إدماجهم في الأسلاك التعليمية والتقنية المناسبة وذلك من أجل الوقاية من الانحراف و الجريمة . تحرير الملك العمومي و تنمية الحدائق العمومية و تعميمها، إنها المتطلبات الحقيقية لمواجهة الترييف و ما يحمله من مخاطر على المدينة و على مستقبلها .

-البدالي صافي الدين قلعة السراغنة

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.