تعد مظاهر الترييف لمدينة قلعة السراغنة بشكل جلي في مناح المجتمع، وهي نتيجة طبيعية للهوية القروية للسكان، فحتى مواليد المدينة يقدمون أنفسهم وبكل افتخار بكلمة أنا عروبي، وهو نوع من المصالحة مع الذات، وأيضا الارتباط العضوي مع الانتماء القبلي المشكل للنسيج المجتمعي السرغيني الذي استوطن في المركز “الحضري” مثل لعرارشة والحافات أولاد حمو.
وهو وضع له سياقه التاريخي كمنطقة للعبور يربط بين الشمال والجنوب، فالطريق الوطنية رقم 8 التي تمر من وسطها تربط بين الحسيمة وأكدير، هي التي تربط بين مراكش وبني ملال، ولا غرابة أن هذه المنطقة هي مكان لاستخراج الكنوز وتستقطب المهتمين من ربوع الوطن ليس في الاراضي الجرداء إلا من علامات كشجر السدر أو نخلة أو صخرة بل حتى الاضرحة والتي كانت في الأصل خزائن من الذهب والفضة رغم طابعها المقدس ومنها ما هو مشترك بين مسلمين واليهود السراغنة، بالإضافة إلى الدور القديمة والاسوار التي هدمت بشكل شبه كلي من طرف موظفي الدولة لطمس الهوية والمعالم، وكان بشكل متعمد ومقصود حتى تصبح أرض خلاء بدون معالم عمرانية تعكس هندسة صانعيها في لحظات تاريخية.هذا المعطى إلى جانب العمران الاستعماري في ما يسمى بالحي الإداري شكل نواة لبزوغ مدينة ولإعلان ولادتها بشكل رسمي في المفهوم الشعبي للتمدن يتم عبر وضع عمالة، وكان لها ذلك بشكل رسمي سنة 1974 رغم تأسيسها سنة 1973 ومن الطبيعي أن تصبح خاضعة للتصاميم التهيئة، التي تحدد طبيعة العمران، وفعلا عرفت قفزة نوعية تمثلت في تشييد عدة معالم حضرية وبنيات تحتية مهمة تخدم الساكنة ومنها المركب الرياضي والمسبح الأولمبي ودور الشباب وعدة حدائق عمومية.
واحتلت الرتبة الاولى ذات مرة كأنظف مدينة في المغرب ، ويرجع الفضل في ذلك لمجموعة من الفاعلين المؤسساتيين منهم العامل قميحة والعامل وشن والمجلس الجماعي لبلدية قلعة السراغنة الذي كان مسير من طرف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ولعل في الانشقاقات في صفوف مناضليه الخلاف بين المكتب السياسي واللجنة الإدارية واصطفاف الغالبية من سكان قلعة السراغنة مع المنشقين، ساهم في اضعاف الفعل البناء للمنتخب في النهوض بالمدينة، عبر خلق نخب جديدة بإيعاز من وزارة الداخلية، حيث أصبح الإقليم حقل تجارب للعمال الفاسدين لاستقطاب منتخبين جدد خانعين وخاضعين، أتي ببعضهم من خلف الغنم أي من الرعي إلى تحمل المسؤولية السياسية في تدبير الشأن المحلي، بمعنى أنه من الثمانينيات من القرن الماضي عرفت المدينة تراجعا ملحوظا في مرافقها وتصاميم تهيئتها، التي أصبت تلبي حاجيات المضاربين العقارين على حساب تطلعات السكان، حتى أصبحت على ماهي عليه الآن من ترييف وتزبيل وتخريب لبنيتها التحتية، حيث تماهى ممثليها المنتخبين خصوصا مع هذا الوضع “المستنقع” رغم تدارك الدولة للكارثة، حيث تم تعيين عامل ابن القلعة صبري الذي عجز عن محاربة المفسدين وطلب المساعدة من فاعلين اكتشف فسادهم أيضا لكنه بشكل متأخر، وجاء بعده العامل السماحي من أشرف الناس، ونزيه، لكنه لم يجد من يريد الخير لهذا البلد فقام بإغلاق بابه أمام الفساد فعرفت فترته بالبلوكاج، وجاء الان خريج المدرسة المولوية وهو مؤشر إيجابي على رغبة الجهات العليا في هذا الوطن الخير لدوارنا؛ وعليه، هل ستصبح مدينة أم مستنقع؟ الله أعلم.
رشيد الحبوبي فاعل في التنمية المحلية

