بقلم: عبد الرحمان سوسو
ليست كل الرسائل تُكتب بالكلمات، فبعض الرسائل تُكتب بالمواقف، وتُقرأ في السلوك، وتبقى شاهدة على معدن أصحابها ونبل مقاصدهم.ومن هذا المنطلق، توقفتُ باهتمام أمام الرسالة التي وجهها مولاي أحمد التومي إلى عموم ساكنة الإقليم، عقب الاستحقاق الانتخابي، والتي عبّر فيها عن عميق شكره وامتنانه لكل من منحه ثقته، مؤكداً أن رسالته لم تنتهِ بعدم حصوله على مقعد برلماني، وأن وفاءه للعمل وخدمة الناس سيستمر، سواء كان داخل المؤسسات المنتخبة أو خارجها.
إنها، في تقديري، ليست مجرد رسالة شكر عابرة بعد محطة انتخابية، وإنما هي رسالة تحمل في طياتها الكثير من النبل والسمو والرقي.
فالرجل الذي يربط العمل العام بالمقعد الانتخابي وحده، قد يعتبر نهاية المنافسة نهاية لدوره. أما من يجعل خدمة الناس قناعة ورسالة، فإنه يدرك أن المؤسسات وسيلة، وليست غاية، وأن خدمة المواطن لا تبدأ بصندوق الاقتراع ولا تنتهي بإعلان النتائج.
وهنا بالضبط تكمن قيمة هذه الرسالة.لقد لمسنا فيها سموّ رجل يعرفه الناس بخصال حميدة، وبنظافة اليد، وبهدوء الخطاب، وبسمو المقاصد. رجل لم يجعل من عدم الوصول إلى المقعد سبباً للانكفاء أو العتاب أو التنصل من المسؤولية، بل اختار أن يقول بوضوح إن علاقته بالناس وبقضايا الإقليم أكبر من أن تختزل في موقع انتخابي.
وهذا معنى عميق من معاني العمل العام.فالانتخابات محطة، والمقاعد مسؤولية، لكن الوفاء للناس قيمة لا تنتهي بانتهاء الاستحقاق.
ولعل أجمل ما في هذه الرسالة أنها تذكرنا بأن قيمة الإنسان في الشأن العام لا تُقاس دائماً بما حصل عليه من أصوات أو مقاعد، وإنما بما يحمله من مبادئ، وبما يتركه من أثر، وبمدى صدقه في خدمة محيطه ومجتمعه.
إننا بحاجة، اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى هذا النوع من الخطاب الهادئ والمسؤول؛ خطاب لا يجعل من الخسارة خصومة، ولا من الفوز غروراً، ولا من السياسة طريقاً للمصلحة الشخصية، وإنما يعتبرها مجالاً لخدمة الناس وتحمل المسؤولية.
وأنا، إذ أتوقف عند رسالة مولاي أحمد التومي، لا أتوقف عند نتيجتها الانتخابية، وإنما عند المعنى الأخلاقي والإنساني الذي حملته.
فأن تشكر من وثق بك، وأن تحترم من اختار غيرك، وأن تواصل العمل من أجل مجتمعك رغم عدم وصولك إلى المؤسسة التي كنت تطمح إليها، فذلك سلوك يستحق التقدير.
لقد أثبتت هذه الرسالة أن بعض الرجال لا يحتاجون إلى مقعد كي يثبتوا حضورهم، لأن حضورهم الحقيقي يصنعه الصدق، ونظافة اليد، وحسن السيرة، والوفاء للناس.
ولعل أبلغ ما يمكن أن يقال في هذا المقام:قد لا يكون المقعد قد جاء، لكن الرسالة لم تنتهِ.فالعمل من أجل الإقليم، وخدمة ساكنته، والدفاع عن قضاياه، والإسهام في تنميته، لا ينبغي أن يكون مرتبطاً بموقع أو صفة أو مؤسسة.
وهكذا نفهم السياسة في معناها النبيل:أن تخدم حين تكون في المؤسسة، وأن تظل وفياً للخدمة حين تكون خارجها.تحية تقدير لمولاي أحمد التومي على هذه الروح، وعلى هذه الرسالة التي تضع الإنسان قبل المقعد، والعمل قبل الموقع، والوفاء قبل الحسابات.
ولأن الرجال تُعرف مواقفهم في لحظات الاختبار، فإن مثل هذه المواقف تظل جديرة بأن تُقرأ باحترام، وأن تُسجل بما يليق بها من تقدير.فالمقاعد تزول، والاستحقاقات تنتهي، أما السيرة الطيبة والأثر النبيل فيبقيان.

