رأي

جاء فأحدث التغيير

هناك رجال يمرون من المدن، وهناك رجال يصنعون أثرًا في المدن، وهناك من يأتي إلى مدينة هامشية في زمن كانت فيه الإمكانيات محدودة، فيؤمن بأبنائها ويمنحهم فرصة لم يكونوا يحلمون بها، فيخرجهم من دائرة الإقصاء والتهميش إلى رحابة الوطن، ويعرّفهم على مدن المغرب وأبنائها وثقافاتهم وتجاربهم.

ومن هؤلاء الرجال الذين تركوا بصمة لا تُنسى في تاريخ الرياضة بمدينة قلعة السراغنة، الأستاذ بدري خالد، أستاذ مادة التربية البدنية،من مواليد 1961 الذي قدم من أسوار باب إيلان بمدينة مراكش إلى قلعة السراغنة، لكنه لم يأتِ مجرد أستاذ يؤدي وظيفته وينصرف، بل جاء ليحدث التغيير.كان ذلك في زمن كانت فيه بعض الرياضات تبدو لأبناء المدينة أشبه بالمستحيلة، ومن بينها رياضة كرة الركبي، التي كانت تُعرف آنذاك لدى الكثيرين بأنها لعبة بعيدة عن متناول أبناء المنطقة. لكن الأستاذ بدري خالد آمن بأن أبناء قلعة السراغنة قادرون على المنافسة، فبمجرد حلوله بالمدينة سنة 1987، بادر إلى إنشاء فريق للألعاب المدرسية، وفتح أمام التلاميذ أبوابًا جديدة للمشاركة والتنافس.

لم تكن المشاركة في الألعاب المدرسية مجرد مباريات رياضية بالنسبة لأبناء الإقليم، بل كانت مدرسة حقيقية للحياة.فقد حملتهم المنافسات إلى مدن مغربية مختلفة، من الخميسات وطنجة وأكادير ومراكش، وهناك تعرفوا على أبناء مدن أخرى، واكتسبوا تجارب جديدة، وتعلموا الانضباط وروح الفريق والتنافس الشريف، وانفتحوا على ثقافات وتجارب اجتماعية ورياضية لم تكن متاحة لهم بسهولة.وهكذا ساهم الأستاذ بدري خالد في إخراج أبناء قلعة السراغنة من هامشية المدينة آنذاك إلى رحابة المغرب، وجعل الرياضة وسيلة للتربية والانفتاح وبناء الشخصية.أستاذ لم يكن يعطي الدروس فقطشهادتي في الأستاذ بدري خالد ليست شهادة عابرة، وإنما هي شهادة من عاشره عن قرب، ولذلك أقولها لله وللتاريخ:كان إنسانًا طيب المعشر، متفانيًا في عمله، كريمًا مع تلاميذه، ويساعد المحتاجين والمعوزين منهم. كان يعطي أكثر مما يأخذ.لم يكن يبخل على أحد بمعلومة أو نصيحة أو توجيه، بل كان يعطي من وقته وجهده وماله، بل وحتى من ملابسه الرياضية عندما يحتاج إليها أحد تلاميذه.وكانت علاقته بالتلاميذ تتجاوز حدود القسم والملعب؛ كان يؤمن بأن الأستاذ الحقيقي لا يصنع الرياضي فقط، وإنما يساهم في صناعة الإنسان.ولهذا، فإن كثيرًا من التلاميذ الذين مروا من قسمه أو من فريقه ما زالوا يذكرونه بالخير، ويتحدثون عن الأيام الجميلة التي قضوها معه، وعن الأثر الطيب الذي تركه في تربيتهم وشخصياتهم وحياتهم.ثورة في الرياضة السرغينيةلقد أحدث الأستاذ بدري خالد تغييرًا حقيقيًا في الميدان الرياضي بالمدينة.فهو لم يكن مجرد أستاذ تربية بدنية، بل كان حكمًا دوليًا في كرة الركبي، ومؤطرًا، ومسؤولًا عن تكوين الحكام بالجامعة الملكية المغربية لكرة الركبي، وعضوًا جامعيًا لسنوات.كما ساهم في تكوين عدد من الحكام على صعيد مدينة قلعة السراغنة، حتى وصل بعضهم إلى مستوى التحكيم الدولي، وأنا واحد منهم، وأشهد أنه كان من الذين فتحوا لنا الطريق وقدموا لنا المعرفة والخبرة دون بخل.كان يعطيك المعلومة بكل سخاء، ويشاركك تجربته، ويمنحك من وقته وجهده، وكأنه يرى نجاح تلاميذه نجاحًا شخصيًا له.تأسيس الوداد الرياضي السرغيني لكرة الركبيلكن من أكبر المحطات التي ستظل راسخة في تاريخ الرياضة السرغينية، تأسيس فريق الوداد الرياضي السرغيني لكرة الركبي يوم 20 يونيو 2000، بمعية عدد من الأصدقاء الذين سيكون لنا حديث عنهم في مناسبات قادمة، وفاءً لكل من ساهم في بناء هذا الصرح الرياضي.

وقد تولى الأستاذ بدري خالد رئاسة الفريق من سنة 2001 إلى سنة 2007، وواصل خلال هذه الفترة عمله من أجل تطوير رياضة الركبي بالمدينة وتكوين اللاعبين والحكام وتأطير الشباب.

لقد كان يؤمن بأن قلعة السراغنة ليست أقل من غيرها، وأن أبناءها يستحقون أن تكون لهم فرق رياضية وأن يشاركوا في المنافسات الوطنية، وأن يرفعوا اسم مدينتهم خارجها.مسيرة رياضية متعددة المجالات ولم تقتصر مسيرته على الركبي، فقد لعب أيضًا مع فريق الكوكب المراكشي، كما اشتغل معدًا بدنيًا لفريق الوداد الرياضي السرغيني لكرة القدم.

واشتغل كذلك مندوبًا لعدد من المقابلات الدولية الإفريقية، ما يعكس حجم التجربة الرياضية التي راكمها خلال مسيرته.لكن، ورغم كل هذه المسؤوليات والمشاركات، يبقى أجمل ما في مسيرة الأستاذ بدري خالد هو الأثر الذي تركه في الناس.

فالألقاب والمسؤوليات تنتهي، والمباريات تنتهي، والمواسم الرياضية تنتهي، لكن الإنسان يبقى بما زرعه في نفوس الآخرين.

شهادة للتاريخ إن الحديث عن الأستاذ بدري خالد هو حديث عن مرحلة مهمة من تاريخ الرياضة المدرسية والركبي بمدينة قلعة السراغنة.جاء من مراكش، لكنه أعطى للسراغنة الكثير.جاء أستاذًا، فأصبح مؤطرًا وحكمًا ومكونًا وصانع أجيال.جاء إلى مدينة كانت تعاني من الهامشية الرياضية، ففتح أمام أبنائها أبواب المنافسة والسفر والتعرف على باقي مدن المغرب.وجاء ليُدرس مادة التربية البدنية، فإذا به يترك أثرًا في التربية والرياضة والإنسان.

وأنا، حرمة الله المصطفى، أقدم هذه الشهادة لله وللتاريخ، لأنني عايشته عن قرب، وعرفت فيه الإنسان قبل الرياضي، والأستاذ قبل المسؤول، والمعلم الذي كان يعطي أكثر مما يأخذ.جزاه الله خير الجزاء، وبارك له في عمره وصحته، وجعل كل ما قدمه لأبناء قلعة السراغنة في ميزان حسناته.

وإن كانت لكل مدينة ذاكرتها الرياضية، فإن من حق أبناء قلعة السراغنة أن يعرفوا الرجال الذين صنعوا جزءًا من هذه الذاكرة، وأن نذكرهم بالخير قبل أن تنسى الأجيال القادمة أسماءهم وقصصهم.وللحديث عن باقي الرجال الذين ساهموا في تأسيس الوداد الرياضي السرغيني لكرة الركبي بقية.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.