في قلعة السراغنة، كما في غيرها من المدن، نجد بعض الأشخاص الذين لا يرون في الواقع إلا جانبه الأسود، وكأن كل شيء سيئ، وكل المبادرات فاشلة، وكل مسؤول فاسد، وكل محاولة للإصلاح لا جدوى منها. ينتقدون كل شيء، لكنهم في المقابل لا يقدمون مبادرة، ولا يساهمون في حل مشكلة، ولا يحاولون تغيير ما يستطيعون تغييره.
نحن لا ننكر وجود تقصير في تدبير الشأن العام، ولا ننكر وجود مظاهر للفساد الإداري أو سوء التدبير، وهذه أمور يجب أن تُنتقد بكل وضوح ومسؤولية. لكن الاعتراف بوجود الاختلالات لا يعني أن نحول حياتنا إلى حالة دائمة من التشاؤم واليأس.
هناك فرق كبير بين النقد الذي يريد الإصلاح والنقد الذي يريد فقط تسجيل المواقف وتكريس الإحباط.فمن السهل أن نقول: الدولة هي المسؤولة عن كل شيء، والجماعة هي المسؤولة عن كل شيء، والمنتخبون هم المسؤولون عن كل شيء. لكن ماذا فعلنا نحن؟ ماذا قدمنا لحيّنا؟ لمدينتنا؟ لجيراننا؟ هل شاركنا في مبادرة تطوعية؟ هل حافظنا على نظافة الشارع؟ هل ساهمنا في غرس شجرة؟ هل وجهنا ملاحظة لمسؤول بأسلوب محترم؟ هل اقترحنا حلًا بدل الاكتفاء بتعداد المشاكل؟
المواطنة ليست أن ننتظر دائمًا من الدولة أن تفعل كل شيء، كما أن مسؤولية الدولة لا تسقط بحجة أن المواطن يجب أن يفعل كل شيء.
الإصلاح مسؤولية مشتركة، لكل طرف فيها دوره وحدوده.ولنكن واضحين: الإيجابية لا تعني السكوت عن الفساد، ولا تعني تبرير أخطاء المسؤولين، ولا تعني التصفيق لكل شيء.
الإيجابية الحقيقية هي أن نرى الخلل وننتقده، لكن أن نقترح معه الحل؛ أن نطالب بحقوقنا، لكن أن نحترم واجباتنا؛ أن نواجه المسؤول بالتقصير، لكن دون سب أو تشهير أو تجريح.علينا أن نتعلم النقد البناء، وأن نقول للمسؤول: أخطأت عندما يخطئ، وأحسنت عندما يحسن. وأن نمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، بعيدًا عن الحقد والتشهير والرغبة في إسقاط الآخرين.
كما أننا بحاجة إلى أن نُحسن الظن بإمكانية الإصلاح، وأن نرفع أكف الضراعة إلى الله أن يصلح ولاة أمورنا، وأن يرزقهم الأمانة والعدل وحسن التدبير، وأن يعين كل مسؤول على أداء الأمانة التي تحملها.
مدينتنا تحتاج إلى ناقدين ومبادِرين، لا إلى متشائمين فقط؛ تحتاج إلى من يشير إلى الحفرة، ومن يقترح كيف نردمها؛ إلى من ينتقد الاختلال، ومن يساهم في إصلاح ما يستطيع إصلاحه.
فلا تكن ممن يرى الظلام في كل مكان، ثم يرفض أن يشعل شمعة.لننتقد، نعم. لنطالب بحقوقنا، نعم. لنحاسب المسؤول، نعم. لكن لنكن أيضًا جزءًا من الحل.
فالمدينة لا تتغير فقط بقرارات المسؤولين، وإنما تتغير كذلك عندما يتغير وعي مواطنيها، ويصبح كل واحد منا مقتنعًا بأن له دورًا، ولو كان صغيرًا، في صناعة واقع أفضل.
نسأل الله أن يصلح أحوال بلادنا ومدننا، وأن يوفق ولاة أمورنا لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يجعلنا جميعًا مفاتيح للخير، دعاة إلى الإصلاح، بعيدين عن اليأس والتشاؤم والإحباط.
-المصطفى حرمة الله
