اقتصاد

العرض السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة في تشريعيات 2026: قراءة سوسيو اقتصادية في جدلية الطموح الاجتماعي وإكراهات التمويل

د. إبراهيم النوحي

يمثل الاستحقاق الانتخابي لشتنبر 2026 محطة مفصلية في مسار تشكل المشهد السياسي المغربي، وفي هذا الخضم يبرز العرض البرامجي لحزب الأصالة والمعاصرة بوصفه وثيقة تسترعي انتباها أكاديميا خاصا.

فالحزب الذي راكم تجربة تدبيرية داخل التحالف الحكومي المنتهية ولايته، يسعى اليوم لإعادة التموضع كقوة قيادية عبر تقديم وثيقة تعاقدية وسمها بـ “برنامج المواثيق الخمسة”. يتجاوز هذا البرنامج منطق التعديلات التقنية الطفيفة ليطرح هندسة ماكرو-اقتصادية ترفع سقف الرهانات إلى مستويات غير مسبوقة، مقترحا تعبئة غلاف مالي يناهز 350 مليار درهم على مدار خمس سنوات، مع تسطير أهداف كمية طموحة تتصدرها إرادة خلق مليون منصب شغل صاف، وكبح جماح البطالة لتستقر عند عتبة 7 بالمائة، فضلا عن استهداف معدل نمو يبلغ 5 بالمائة مع حصر التضخم في حدود 2 بالمائة.

ولعل المحور الأكثر إثارة للجدل التحليلي في هذه الوثيقة هو انحيازها لباراديغم الدولة المتدخلة عبر ما سمي بميثاق القدرة الشرائية، والذي خصص له نصيب الأسد بغلاف يناهز 150 مليار درهم. يقترح الحزب في هذا الباب هندسة ضريبية راديكالية تتجلى في الإعفاء الكلي من الضريبة على الدخل للأجور التي تقل عن 15 ألف درهم خام. ورغم جاذبية هذا الإجراء سوسيولوجيا بوصفه جرعة إنعاش غير مسبوقة للطبقة المتوسطة، إلا أنه يطرح إشكالية إبستيمولوجية وعملية في علم المالية العامة؛ إذ كيف يمكن التوفيق بين بتر جزء حيوي من الإيرادات الضريبية للدولة، وبين الحاجة الماسة لتمويل برامج اجتماعية ضخمة تشمل رفع الحد الأدنى للدعم المباشر إلى ألف درهم، وإقرار مجانية فواتير الكهرباء التي تقل عن مائة درهم، فضلا عن ضخ ملايير الدراهم لتطهير سلاسل الإنتاج الفلاحي كقطاع اللحوم الحمراء. تتوسع الرؤية الحزبية لتشمل أبعادا ترابية وسيادية متداخلة؛ فميثاق المواطنة الذي رصدت له 100 مليار درهم، يراهن على حل معضلة السكن عبر تمكين نصف مليون أسرة من سكن لائق، مع التدخل العميق في ضبط نفقات التأمين الإجباري عن المرض عبر إجراءات ترشيدية كتقليص معدلات الولادات القيصرية.

وفي مسار مواز، يحاول ميثاق إدماج الشباب وميثاق الأمان والسيادة، بغلاف مالي يبلغ 50 مليار درهم لكل منهما، استباق التحولات الديموغرافية والمناخية عبر وعود بإطلاق برنامج أول عقد شغل، وتوسيع الطاقة الاستيعابية للتكوين المهني، مع الاستثمار المكثف في البنيات المائية بإنجاز 400 منشأة مائية ورفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 بالمائة من الاستهلاك الكهربائي.غير أن التحليل النقدي لهذه المنظومة البرامجية يكشف عن مفارقات بنيوية تكمن أساسا في ميكانيزمات التمويل.

يعتمد الحزب على ثالوث تمويلي يتشكل من المراجعة الشاملة للنفقات العمومية، وفرض مساهمات تضامنية محدودة كحالة الاستهلاك المرتفع للكهرباء، والارتهان لعوائد النمو الاقتصادي المرتقب في سياق الاستعداد لمونديال 2030.

هذا الاعتماد المفرط على فرضية تحقيق نمو بنسبة 5 بالمائة يضع الهندسة المالية للبرنامج بأكملها تحت رحمة الصدمات الخارجية، سواء تعلق الأمر بالتقلبات المناخية التي ترهن القيمة المضافة الفلاحية، أو بالتوترات الجيوسياسية المؤثرة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.تأسيسا على ما سبق، يبرز برنامج الأصالة والمعاصرة كبيان سياسي ذي نزعة كينزية تهدف إلى خلق صدمة إيجابية في العرض والطلب معا. بيد أن افتقار الوثيقة إلى تقييم ميزانياتي مستقل يوضح بدقة كيفية امتصاص عجز المداخيل الناتج عن التخفيضات الضريبية المهولة، يجعل من هذا العرض البرامجي رهانا محفوفا بالمخاطر الماكرو-اقتصادية.

إنه يضع الفاعل السياسي أمام اختبار عسير يتجاوز سقف الوعود الانتخابية ليصل إلى صميم القدرة على تدبير التناقض الحتمي بين تمدد الإنفاق الاجتماعي وتقلص الأوعية الضريبية، في ظل التزام مسبق بالحفاظ على التوازنات المالية وتقليص المديونية العمومية.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.