بقلم :المصطفى حرمة الله
في كل موسم انتخابي، يتجدد السؤال: أين هو النقاش الحقيقي حول البرامج الانتخابية؟ في كثير من الديمقراطيات، يحرص السياسيون على مواجهة المواطنين والطلبة والنخب والكفاءات، والدخول معهم في نقاش مباشر حول البرامج والسياسات العمومية، لأن الناخب لا يكتفي بالتصفيق، بل يسأل: ماذا ستفعلون؟ كيف ستنفذون وعودكم؟ وما هي مصادر تمويلها؟ وما النتائج التي يمكن قياسها؟
أما عندنا، فكثيرًا ما نجد أن بعض السياسيين يفضلون طريقًا آخر؛ طريق الأحياء الشعبية والدواوير والتجمعات التي يسهل فيها توظيف العاطفة واستثمار الحاجة والفقر، حيث تختلط السياسة بالولائم والزرادي،والدقايقية،والربعلاف، وتتحول الحملة الانتخابية أحيانًا إلى مناسبة للشعارات والتصفيق والوعود، بدل أن تكون فضاءً لمناقشة البرامج والأفكار.
المشكلة ليست في الأحياء الشعبية ولا في سكان الدواوير، فهؤلاء مواطنون لهم كامل الحق في معرفة برامج المرشحين ومحاسبتهم، وإنما المشكلة في استغلال بساطة بعض المواطنين وحاجتهم، وتحويل معاناتهم إلى وسيلة انتخابية.فالمواطن الذي يعاني من البطالة أو ضعف الخدمات الصحية أو مشاكل التعليم والسكن والنقل، لا يحتاج إلى من يوزع عليه الكلام الجميل، بل يحتاج إلى سياسي يشرح له بوضوح: ماذا سنفعل؟ ومتى؟ وبأي إمكانيات؟ ومن أين سنوفر الموارد؟ وكيف يمكن محاسبتنا إذا لم ننفذ؟
أما الوعود الفضفاضة من قبيل: سنغير، سنبني، سنوفر، سنشغل، سنصلح كل شيء، دون أرقام ولا آجال ولا وسائل تنفيذ، فهي ليست برنامجًا انتخابيًا، وإنما مجرد كلام انتخابي.والأخطر من ذلك أن تتحول الحملة الانتخابية إلى فضاء تنتشر فيه المغالطات والأخبار غير الدقيقة والوعود التي يستحيل تنفيذها، بينما يغيب النقاش مع فئة قادرة على طرح الأسئلة الصعبة، مثل طلبة الجامعات والمعاهد العليا والأساتذة والباحثين والمهندسين والأطباء والمحامين والاقتصاديين وباقي الكفاءات.
لماذا لا ينظم المرشحون مناظرات مفتوحة داخل الجامعات والمعاهد؟لماذا لا يجلس السياسي أمام الطلبة ويعرض برنامجه الاقتصادي والاجتماعي بالتفصيل؟لماذا لا يُسأل عن البطالة، والتعليم، والصحة، والاستثمار، والضرائب، والديون، والعدالة المجالية، ومحاربة الفساد، وتدبير المال العام؟السياسة الحقيقية تبدأ عندما يصبح السؤال أهم من التصفيق، والبرنامج أهم من الوليمة، والكفاءة أهم من الولاء، والمحاسبة أهم من الوعود.وليس من العدل أن نلوم المواطن البسيط وحده إذا صدق بعض الوعود؛ فالمواطن الذي يعاني من الفقر والحاجة قد يتعلق بأي أمل يُعرض عليه. المسؤولية الأكبر تقع على السياسي الذي يعرف جيدًا أن بعض الوعود لن تتحقق، ومع ذلك يقدمها للناس من أجل أصواتهم.
نحن لا نحتاج إلى انتخابات تُقاس فيها قوة السياسي بعدد الولائم والحشود والصور، وإنما نحتاج إلى انتخابات تُقاس فيها قوته بقدرته على الإقناع بالحجة والبرنامج والإنجاز.
نريد أن نرى السياسي في الجامعة كما نراه في الدوار، وفي المعهد كما نراه في الحي الشعبي، وفي المناظرة كما نراه في الوليمة.
نريده أن يخاطب المواطن باعتباره شريكًا في صناعة القرار، لا مجرد صوت انتخابي يحتاج إليه يوم الاقتراع ثم يُنسى بعده.
إن احترام المواطن يبدأ باحترام عقله.والانتخابات ليست موسمًا للكذب على الناس، ولا مسابقة في توزيع الوعود، ولا مناسبة للخلط بين العمل السياسي والعمل الإحساني؛ بل هي عقد بين الناخب والمنتخب، أساسه البرنامج، والثقة، والالتزام، والمحاسبة.
فمتى ننتقل من سياسة الزرادي والشعارات إلى سياسة البرامج والمناظرات والأرقام والمحاسبة؟
ذلك هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح قبل كل انتخابات.وهذا لم أجده عند منتخبينا بمدينة قلعة السراغنة الذين يسلكون نفس النمط والاسلوب منذ زمن بعيد والله المستعان.
