رأي

في زمن الذكاء الاصطناعي… ما زال بعضنا أسير التقديس

بقلم المصطفى لحميدي

العالم من حولنا يتغير بسرعة غير مسبوقة. ثورة علمية وتكنولوجية تعيد تشكيل حياة الإنسان، وذكاء اصطناعي يفتح آفاقاً جديدة للمعرفة والعمل، وعلوم طبية تحقق اختراقات متلاحقة، وأبحاث فضائية توسّع حدود اكتشاف الإنسان للكون.

لقد انتقلنا من مراقبة السماء بالعين المجردة إلى إرسال المركبات والمراصد إلى أعماق الفضاء، ومن الطب التقليدي إلى علوم دقيقة تتعامل مع أكثر أسرار جسم الإنسان تعقيداً.وفي خضم هذا التحول، ما زالت بعض الموروثات الثقافية والاجتماعية والروحية حاضرة بقوة، ليس باعتبارها جزءاً من الذاكرة الجماعية فحسب، وإنما أحياناً باعتبارها مرجعاً يفرض نفسه على الحاضر، ويضع العقل أمام ممارسات وأسئلة يفترض أنها أصبحت بحاجة إلى مراجعة.

الموروث ليس مشكلة في حد ذاته؛ فكل مجتمع يحتاج إلى ذاكرته. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول ما ورثناه إلى سلطة تمنع السؤال، أو حين يصبح احترام الماضي مبرراً لتعطيل العقل وإهدار كرامة الإنسان.وهذا ما أعادته إلى الواجهة مشاهد انتشرت خلال هذا الأسبوع على وساءل التواصل الاجتماعي اتارت الكتير من التساؤل .

في أحد المقاطع المتداولة، ظهر أحد شيوخ الزوايا أمام جمع من الناس، فتحول اللقاء إلى تهافت على التبرك: من يقبل القدم، ومن يقبل اليد والرأس والكتف، ومن ينتظر دوره، إلى أن بلغ المشهد ذروة صادمة حين ظهر شخص ينتظر أن يبصق الشيخ، حتى يمسح ذلك على وجهه تبركاً وتيمناً.لا يتعلق الأمر هنا بالسخرية من الأشخاص، وإنما بالسؤال عن الثقافة التي تجعل مثل هذا السلوك مقبولاً لدى صاحبه: متى يتحول الاحترام إلى تقديس؟ ومتى يصبح التبرك تنازلاً عن الكرامة والعقل؟إن احترام الشيخ أو الرجل الصالح لا يستوجب وضعه فوق البشر، كما أن التدين لا يعني إلغاء التفكير، والروحانية لا تستلزم الخضوع لشخص آخر.

واللافت أن تفسير هذه الظاهرة بالجهل أو الأمية وحدهما لا يكفي. فبين أتباع بعض الطرق والزوايا أطباء وأساتذة ومثقفون وأصحاب تكوين علمي. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن لعقل يطالب بالدليل والتجربة في مجاله العلمي أن يتخلى عن أدوات النقد عندما يتعلق الأمر بالكرامات أو البركة؟

فالشهادة لا تصنع بالضرورة عقلاً نقدياً. هذا الأخير يقوم على القدرة على السؤال، وتمييز الحقيقة من الاعتقاد، وعدم اعتبار الموروث حقيقة لمجرد أنه موروث.أما المشهد الثاني الذي أثار الجدل، والمتعلق بالمواجهة بين فريقين من أتباع الزاوية البودشيشية حول الزعامة ومن يحمل الإرث الروحي للطريقة، فهو قضية مختلفة ينبغي وضعها في سياقها الخاص.

هنا نحن أمام إشكالية تتعلق بالقيادة وانتقالها وإدارة الخلاف داخل مؤسسة روحية. والسؤال المشروع هو: كيف يمكن أن تتحول مسألة القيادة إلى سبب للتوتر والمواجهة داخل مؤسسة يفترض أن تقوم على التربية الروحية وتهذيب النفس والتسامح؟

هذه القضية لا ينبغي أن تُخلط بمظاهر التبرك، كما لا ينبغي أن تتحول إلى حكم شامل على الزاوية أو جميع أتباعها. لكنها، مثل غيرها من القضايا العامة، تستحق النقاش والمساءلة.

إن نقد هذه الممارسات لا يعني مهاجمة التصوف أو مصادرة حق الناس في معتقداتهم. المطلوب هو التمييز بين الروحانية وبين تقديس الأشخاص، وبين الاحترام وبين التبعية، وبين التراث الذي يمنح الإنسان معنى وبين الموروث الذي يتحول إلى قيد على تفكيره.

فالعصر الذي نعيش فيه يفرض معياراً مختلفاً: لا قيمة لفكرة لأنها قديمة، ولا حصانة لممارسة لأنها موروثة. المعيار هو أثرها في الإنسان: هل تحفظ كرامته؟ هل توسع وعيه؟ هل تساعده على بناء حياة أفضل؟العالم يفتح أبواب الفضاء والذكاء الاصطناعي والعلوم الطبية، بينما ما زال بعضنا يحمل إلى الحاضر ممارسات تنتمي إلى تصورات قديمة عن القداسة والبركة والسلطة الروحية.وهنا تكمن المفارقة: نستهلك منتجات العلم الحديث، لكننا لا نمتلك دائماً الثقافة العقلية التي صنعتها.

المطلوب ليس هدم الماضي ولا قطع الصلة بالتراث، بل إعادة قراءته بعين الحاضر؛ الاحتفاظ بما يرفع الإنسان، ومراجعة ما يقيده، ورفض كل ممارسة تجعل كرامته ثمناً للبركة أو تجعل عقله تابعاً لسلطة الأشخاص.فالمجتمع الذي يريد أن يصنع مستقبله يحتاج إلى أكثر من التكنولوجيا؛ يحتاج إلى عقل حر، وإنسان كريم، وثقافة لا تخاف من السؤال.

وفي زمن الذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء والطب المتقدم، ربما آن الأوان لأن نسأل أنفسنا بجدية: هل سنظل أسرى ما ورثناه، أم سنمتلك الشجاعة لنعيد النظر فيه؟

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.