لما يصبح التبرهيش السياسي عملة التعامل عند الرجعية و بعض الذين يحسبون أنفسهم أنهم “يساريون” تختلط المفاهيم و الأيديولوجيات و تظهر الزعامات الكارتونية و تتغدى الانتهازية و يرتفع منسوب اليأس و الميوعة السياسية . لأن التبرهيش هو مصطلح أمازيغي الأصل يستعمله المغاربة للدلالة على التصابي، ويستعمله الجزائريون للدلالة على الطيش. و عند الفرنسيين يصفونه بالتصرف باندفاع أو يقومون باستعراضات إعلامية فارغة، أو اطلاق تصريحات شعبوية تشبه أفعال الأطفال والمراهقين بعيداً عن الرصانة والجدية المطلوبة في تدبير الشأن العام .و لفهم معنى هذا المصطلح نعود إلى وزراء من الحكومة المغربية الذين يقدمون نموذجا مثاليا “للتبرهيش السياسي” أو الطيش و التصابي :
– وزير يتباهى بالقول” إن باراك أوباما لا يملك مثل مدارسنا” ،و و وزير آخر يصرف ربع ميزانية وزارته في شراء الشوكولاتة، وزيرة تطلق زوجها لتتزوج وزيرا من حجمها و ترد على موجة الانتقادات بترديد عبارة مريم العذراء “إني نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا”، وزير رابع يعفى من مهامه ويرفض تسليم المهام ويعتكف في أحد الأضرحة الطرقية “حتى يأتيه اليقين”، وزيرة خامسة تعترف بأن الكلام باللغة العربية يسبب لها الصداع والحمى ، ووزير عرف ب ” مول التقاشر ” ووزيرة تصف نفسها بـ بنت الصالحين و في غفلة من أهل مراكش تضم أراضيها ذات الوضع السقوي إلى الحاضرة محققة أرباحا تقدر بمئات الملايير من الدراهم و تختم فعلتها بالضرب على الطعريجة منسلخة من جلدها البرجوازي إلى ساحة البسطاء مؤقتا حتى تهدأ الأصوات الاستنكارية، ووزير يرقص على نغمات (الوتار). وبرلماني يقول بأن لا كلام فوق كلام الله إلا كلام صاحب الجلالة، و برلماني آخر يلهث وراء العمال متملقا و مشيدا بهم و بانجازاتهم حتى ولو كانت على الكارطون فقط، و الناس يشفقون عليه وهو يستنزف طاقته في خدمة الأوهام طمعا في أن يعيده المخزن إلى مقعده في البرلمان مرة أخرى ، و برلماني آخر لما نطق في البرلمان قال إن أصحاب المطاحن يقومون بطحن الكرتون مع الدقيق، وزعيم يدعي أن حزبه “يساري” يتربص بالوجوه النساءية و ب “بنات العلوة” لجلب الأصوات .
“إنها مظاهر من الطيش و التبرهيش السياسي، وهي مظاهر لها وقع سيء على المشهد السياسي والاجتماعي إذ نتج عن هذه المظاهر ، مظاهر التبرهيش السياسي ،الميوعة في المواقف و التفاهة و التسيب و زرع سموم الجهل الجديد و الأمية المركبة .
فالمغرب لا يحتاج إلى مؤسسات دستورية تشريعية و تنفيذية أركانها مبنية على التبرهيش السياسي، بل في حاجة قبل كل شيء إلى تنزيل للديمقراطية الحقة و إلى ثورة اجتماعية و ثقافية تطهر المجتمع من هذه الأمراض الخبيثة التي تسربت إلى ثنايا المجتمع المغربي حتى أصبح يعاني من عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي و يعيش تبعات التبرهيش والطيش السياسي من تخلف فكري و من بؤس سياسي و من واقع اختلت فيه موازين الأخلاق السياسية و سقطت فيه العدالة الاجتماعية و تخليق الحياة العامة .
البدالي صافي الدين قلعة السراغنة

