لما تتخلى الدولة عن الأجيال الصاعدة بتخريب المدرسة العمومية و إجبار الأطفال على مغادرتها كرها لا طوعا ، ليجدوا أنفسهم في مجتمع فقد القيم الإنسانية، فإن الدولة بذلك تأكل أبناءها .
و إنه ليس من الغريب أن نجد أطفالا و شبابا و قاصرين، و نساءا و رجالا من كل الفئات العمرية يغادرون وطنهم نحو سبتة و مليلية المحتلتين في تدفق يشبه تدفق القطيع ، أملا في تعاطف إسباني /أوروبي و اعتقادا منهم بأنهم سيجدون حماية اجتماعية و إنسانية لأنهم فقدوا آمال العيش الكريم في وطنهم الذي لم يعد لهم حق فيه إلا التراب، أما ترواته البرية و البحرية ومعادنه وأراضيه الخصبة أصبحت في قبضة لوبيات الفساد .
أما الحق في العلاج قد أصبح من المستحيلات بالنسبة للمواطنين و المواطنات ،لأن المستشفيات تم تهميشها حتى غادرها الأطباء و تلاشت تجهيزاتها الطبية و مرافقها الصحية و أصبحت المصحات الخاصة هي الخيار الصعب الذي أراده الحاكمون للمريض .
إذن لهذه الهجرة أسبابها و دوافعها ، لأنها لم تكن الأولى أو الأخيرة بالنسبة للمواطن المغربي الذي يبحث عن الكرامة ،حيث أنها بدأت منذ الثمانينات على إثر سياسة التقويم الهيكلي سنة 1983 بدعم من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بسبب أزمة المديونية العميقة وعجز موازنة الدولة ونقص العملة الصعبة.
هدف هذه السياسة هو إعادة التوازن الاقتصادي عبر تقليص دور الدولة في القطاعات الاجتماعية وفي مقدمتها التعليم والصحة والشغل وتشجيع اقتصاد السوق و اقتصاد الريع.
كانت لهذه السياسة نتائج سلبية على الشباب في المؤسسات التعليمية و الجامعات و في الشغل . و لما فرضت الدول الأوروبية التأشيرة على المغاربة في بداية الثمانينات أصبحت الهجرة إلى أوروبا سرية عبر قوارب الموت مخلفة وراءها مئات الضحايا إن لم نقل الآلاف من الذين ابتلعهم المتوسط أو المحيط.
و لقد شكل هذا العبور الجماعي حدثا سياسيا كشف عن النوايا السياسية و الاستراتيجية بالمنطقة ، كما كشف عن قطيعة الحكومة مع الشعب المغربي،لأنها لجأت إلى الصمت و الناس في سبتة و مليلية بين متاعب الهجرة و قرارات الترحيل الفوري من طرف الحكومة الاسبانية و هجمات اليمين الإسباني على المهاجرين المغاربة .
إنه لا خير في حكومة تنام قبل أن ينام الشعب و تستيقظ بعد أن يستيقظ الشعب.و لذلك فإن الشعب يفعل ما يريد بعد أن تنام حكومته و قبل أن تستيقظ.
و جاء بلاغ وزارة الداخلية من أجل انقاد خطيئة تخلف الحكومة و صمتها عن الحادث، و جاء البلاغ الرسمي للرمي بالحجر المجهول المتسبب في الحادث ، وهو بلاغ في عمقه ينفي أن سبب الهجرة هو البحث عن الكرامة والإنسانية متجاهلا وضع الشباب الذي يعيش البطالة و التهميش و أصبح عرضة للاستغلال و التغرير ، إنه الشباب الذي جعلته سياسة الحكومة يسقط في شراك أباطرة المخدرات و التهريب والاتجار في البشر و السقوط بين ايدى الجماعات الإرهابية والخلايا الاستخباراتية حتى الأجنبية منها لاستغلاله لأغراض سياسية و خدمة لمخططات خصوم الوحدة الترابية . إن الدولة المغربية و هي تتجاهل الوضع السيء الاجتماعي و الثقافي و النفسي للشباب حتى يصبح يعلق آماله على الهجرة السرية إنما تأكل ابناءها.
- البدالي صافي الدين
