يشكل التعليم الأولي أحد أهم الأوراش الاستراتيجية لإصلاح المنظومة التربوية، غير أن نجاحه لا يقاس بعدد الاتفاقيات أو بأسماء الجمعيات الشريكة، بل بمدى نجاحها في استقطاب الأطفال، وضمان جودة التأطير، وحسن تدبير المال العام.
وتطرح التجربة الحالية عدة تساؤلات تستوجب تقييمًا موضوعيًا. فالمعطيات الميدانية تشير إلى أن أكثر من 30% من الأقسام التي تدبرها بعض الجمعيات الوطنية على مستوى جهة مراكش اسفي.لا يتجاوز عدد الأطفال بها خمسة أطفال، في حين لا تتجاوز هذه النسبة 2% لدى الجمعيات المحلية، التي تحقق نسب استقطاب أفضل بفضل قربها من الأسر، ومعرفتها الدقيقة بخصوصيات المجتمع المحلي، وقدرتها على تعبئة الساكنة.
والأكثر إثارة للاستغراب أن هذا التفوق يتحقق رغم الفارق الكبير في الإمكانيات. فالجمعيات المحلية لا تتجاوز منحة التسيير السنوية المخصصة للقسم الواحد 3670 درهمًا، بينما تستفيد الجمعيات الوطنية من اعتمادات قد تتجاوز 16000 درهم للقسم الواحد، تشمل التسيير، والوسائل والألعاب التربوية، والتكوين.
كما أن الجمعيات الوطنية تتوصل، في عدد من الحالات، بالدعم المالي قبل انطلاق الموسم الدراسي، بينما تعرف الجمعيات المحلية تأخرًا في صرف مستحقاتها، مما يضطرها إلى تدبير انطلاق الموسم بإمكانات محدودة، ورغم ذلك تستمر في تحقيق نتائج ميدانية إيجابية.
وفي المقابل، لا تزال تتكرر شكاوى مربيات التعليم الأولي بشأن الاقتطاعات من الأجور، وضعف الشفافية في التوظيف وتدبير الموارد البشرية، وهو ما يستدعي فتح نقاش مسؤول حول الحكامة الاجتماعية لهذا الورش.
إن المصلحة الفضلى للطفل تقتضي أن يتم تقييم جميع الشركاء وفق مؤشرات واضحة، أهمها: نسبة استقطاب الأطفال، وجودة التأطير، واستقرار الموارد البشرية، ونجاعة استثمار المال العام، بعيدًا عن أي تمييز بين الجمعيات المحلية والوطنية.
فإذا كانت الجمعيات المحلية تحقق نتائج أفضل بإمكانات أقل، فإن المنطق يفرض دعم التجارب الناجحة، واعتماد مبدأ ربط التمويل بالأداء، وضمان المساواة والشفافية في منح الشراكات وصرف الاعتمادات، حتى يبقى الهدف الأسمى هو خدمة الطفل المغربي، لا الانتصار لأي جهة أو أي نموذج تدبير.
