بقلم المصطفى لحميدي
في عالم المال، يؤجل المستثمر بيع أصوله إلى أن تبلغ أعلى قيمة ممكنة. وفي عالم السياسة، يبدو أن بعض الحكومات لا تستثمر فقط في المشاريع والبنيات التحتية، بل تستثمر أيضًا في توقيت الاستجابة للمطالب الشعبية، باعتبارها رأسمالًا انتخابيًا قابلًا لتحقيق أرباح مضاعفة.فمنذ اعتماد الساعة الإضافية بشكل دائم، لم يتوقف الجدل المجتمعي حول آثارها على الحياة اليومية، خاصة بالنسبة للتلاميذ والأسر والموظفين.
وعلى امتداد السنوات، أظهرت استطلاعات رأي متعددة، كما عكسته أيضًا النقاشات الواسعة على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، أن قطاعًا مهمًا من المواطنين يفضل العودة إلى التوقيت القانوني (GMT)، أو على الأقل إعادة فتح النقاش حول الموضوع.ورغم ذلك، ظل القرار ثابتًا، وكأن الرسالة الضمنية هي: “مازال ما جاش الوقت.”قد يكون لهذا الإصرار تبريراته التقنية أو الاقتصادية، وقد تكون للحكومة معطيات لا يطلع عليها الرأي العام.
غير أن القراءة السياسية تسمح أيضًا بطرح فرضية أخرى: وهي أن بعض الملفات لا تُحسم عندما يشتد الجدل حولها، بل عندما تصبح أكثر قدرة على إنتاج ربح سياسي.فالسياسي المحترف لا يستهلك كل أوراقه دفعة واحدة، بل يحتفظ ببعضها إلى أن يقترب موعد الانتخابات، حيث يصبح لأي تنازل أو استجابة أثر انتخابي أكبر. عندها، قد يتحول مطلب ظل معلقًا لسنوات إلى “قرار تاريخي”، ويُقدَّم باعتباره انتصارًا للإصغاء إلى نبض الشارع، رغم أن الشارع نفسه كان يطالب به منذ زمن.إنها، إن صح هذا التحليل، سياسة “التجميد الاستراتيجي”؛ حيث لا تُرفض المطالب الشعبية، ولا تُلبى أيضًا، وإنما توضع في “ثلاجة السياسة” إلى أن ترتفع قيمتها في بورصة الانتخابات.
المفارقة أن كلفة الانتظار يؤديها المواطن يوميًا، بينما تُؤجل الأرباح إلى موسم الاقتراع. وكأن الزمن نفسه أصبح جزءًا من الحملة الانتخابية، ليس فقط في احتساب الأصوات، بل حتى في احتساب الساعات.وبالدارجة المغربية، يمكن اختصار المشهد في عبارة يعرفها الجميع: “خليه يطيب… راه مزال ما وصلش وقت الحصاد.”فإذا جاء يوم وأعلنت الحكومة العودة إلى الساعة القانونية، فسيكون السؤال الحقيقي: هل كان القرار استجابة متأخرة لمطلب شعبي قديم، أم أنه جاء بعدما بلغ هذا المطلب أعلى قيمة في سوق السياسة؟
في النهاية، قد يختلف الناس حول جدوى الساعة الإضافية، لكنهم يكادون يتفقون على شيء واحد: أن الإصغاء للمواطن يكتسب قيمته عندما يكون في وقته، لا عندما يصبح ورقة انتخابية.
أما إذا تحولت مطالب الناس إلى ودائع مؤجلة لا تُصرف إلا في موسم الانتخابات، فإن السياسة تكون قد انتقلت من تدبير الشأن العام إلى تدبير التوقيت السياسي للمطالب.ولسان حال المواطن يقول: “إيلى كان القرار غادي يتخذ، خداوه اليوم… ماشي حتى يولي صوتنا هو الثمن
