بقلم: الدكتور خالد الفتاوي
تُعد مهنة المحاماة من المهن الحرة ذات الرسالة النبيلة، فهي ليست مجرد نشاط اقتصادي أو مهني، بل تشكل إحدى الركائز الأساسية لتحقيق العدالة وضمان حقوق الأفراد وحرياتهم.
ولذلك فإن المحامي يحمل مسؤولية مزدوجة: مسؤولية الدفاع عن مصالح موكليه، ومسؤولية المساهمة في حسن سير مرفق العدالة.وفي المقابل، يتمتع المحامون، كغيرهم من المهنيين، بحق الدفاع عن مصالحهم المهنية والمادية، والسعي إلى تحسين أوضاعهم القانونية والمؤسساتية، بما في ذلك اللجوء إلى الاحتجاج أو الإضراب عندما يرون أن حقوقهم أو استقلال مهنتهم مهددة.
غير أن الإشكال يطرح نفسه عندما يتعارض حق المحامي في الإضراب مع حق المتقاضي في الدفاع والمحاكمة العادلة، خاصة في القضايا الجنائية التي يكون فيها أشخاص رهن الاعتقال أو السجن في انتظار حضور محاميهم للدفاع عنهم أمام القضاء.
إن الحق في الدفاع يعتبر من الحقوق الأساسية المكفولة دستورياً ودولياً، وهو جزء لا يتجزأ من ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في مختلف المواثيق الدولية، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما أن التشريعات الوطنية تعتبر حضور المحامي في بعض القضايا الجنائية ضمانة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.
ومن جهة أخرى، فإن حق الإضراب هو حق دستوري معترف به، غير أن الفقه والقضاء المقارنين استقرا على أن ممارسته في بعض المهن ذات الطبيعة الخاصة يجب أن تراعي استمرارية الخدمات الأساسية المرتبطة بحقوق المواطنين الأساسية.
ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة بتعديل القوانين المنظمة لمهنة المحاماة أو تحسين أوضاعها المهنية أمر مشروع، بل قد يكون ضرورياً لحماية استقلالية الدفاع وتعزيز مكانة المحامي داخل منظومة العدالة.
غير أن هذه المطالب ينبغي أن تكون واضحة ومعلنة للرأي العام، وأن ترتبط بالمصلحة العامة للعدالة، وليس فقط بالمصالح الفئوية الضيقة.كما أن نجاح أي حركة مهنية أو مطلبية يرتبط بقدرتها على كسب تعاطف المجتمع وثقة المتقاضين.
وعندما يشعر المواطن بأن حقوقه الأساسية أصبحت رهينة للنزاعات المهنية، فإن ذلك قد يؤثر سلباً على صورة المهنة ورسالتها السامية.لذلك فإن الحل يكمن في إيجاد توازن دقيق بين الحقوق والواجبات، من خلال اعتماد أشكال احتجاجية لا تؤدي إلى المساس بحقوق المتقاضين، أو من خلال تنظيم حد أدنى من الخدمات المهنية في القضايا المستعجلة والجنائية وقضايا المعتقلين، بما يضمن استمرار الحق في الدفاع وعدم تعطيل العدالة.إن المحامي لا يدافع فقط عن موكله، بل يدافع أيضاً عن سيادة القانون.
ولهذا فإن قوة المحاماة لا تقاس فقط بقدرتها على انتزاع الحقوق المهنية، بل كذلك بقدرتها على حماية حقوق المواطنين في أحلك الظروف.
وفي النهاية، فإن استقلال المحامي وكرامته المهنية وحقه في الدفاع عن مطالبه المشروعة لا يتعارض مع واجبه في حماية حقوق موكليه، بل إن التوازن بين هذين البعدين هو ما يمنح مهنة المحاماة مكانتها الرفيعة داخل المجتمع والدولة.
فالعدالة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما تُصان حقوق الجميع: حقوق المحامين، وحقوق المتقاضين، وحقوق المجتمع في قضاء عادل وفعال.
