رأي

الحقوقي صافي الدين : وحدة اليسار ضرورة ملحة

أصبح موضوع وحدة الأحزاب اليسارية في بلادنا، يشكل اهتماما بالغا كمشروع مجتمعي و مذهبي في الوسط السياسي، حيث تعددت الأفكار والآراء من حوله ، باعتباره أصبح ضرورة ملحة و أساسية في ظل توغل الليبرالية المتوحشة بكل تلوناتها و أدواتها في المشهد السياسي وتوغل الفساد وهيمنة المفسدين .

و بذلك أصبح مشروع توحيد اليسار قضية مركزية و ملحة لإنقاذ المشهد السياسي مما أصبح عليه من بؤس و من هيمنة فلول الإقطاع الجديد و الاستعمار المتجدد . و إن توحيد اليسار ظل ولا يزال الأمل الوحيد لإنقاذ البلاد من الانهيار الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي. و يظل المخرج الوحيد لاستعادة الإشعاع الفكري و تكريس الوعي السياسي وسط المجتمع وخلق نوع من الموازنة السياسية.

ولقد أثبتت التجارب بأن التشرذم الذي يعيشه اليسار في بلادنا ظلت تتغذى به الرجعية بكل أشكالها وأنواعها. و أن التشرذم الحالي و من خلاله تشرذم الطبقة العاملة و تعدد النقابات القطاعية التي تقودها فعاليات من اليسار لا يزيد إلا من إضعاف قوة اليسار، مما يؤدي إلى تراجعه في الاستحقاقات الانتخابية المتعاقبة الجماعية والتشريعية، مما يجعل الاندماج، مثل فيدرالية اليسار الديمقراطي والتحالف مع الاشتراكي الموحد على الأقل في هذه الحقبة ، مطلباً و أملا اجتماعيا منشودا.

أما المشككون في توحيد الأحزاب اليسارية من داخلها و من خارجها في بلادنا، انطلاقا ، حسب زعمهم ،من اختلافات تنظيمية أو تباين في الخطاب السياسي أو الايديولوجي، إنما ينتصرون للعدمية و للزعماتية و التفرقة لصالح تربع الأوليغارشية على كرسي التحكم في مسار الجماهير المغربية، و لأنهم ظلوا رهيني خطابات داخلية لا تدرك معناها الجماهير الشعبية التي تتقادفها الأدوات الإعلامية المخزنية و الأحزاب الرجعية من أجل تدجينها وجعلها طيعة و مطبعة مع واقعها المزري و غير قادرة على استيعاب المرحلة ، رغم ما يعرفه العالم من متغيرات عميقة على مستوى المناخ الفكري و الرقمنة و الاقتصاد المختلط، أي نظام يجمع بين آليات السوق الحر و الرأسمالية وتدخل الدولة في في هذا النظام، حپث يُسمح للأفراد والشركات الخاصة بامتلاك وسائل الإنتاج وتحديد الأسعار بناءً على العرض والطلب، بينما تتدخل الدولة في تنظيم الأسواق و توفير الخدمات العامة (مثل الصحة والتعليم)، وتحقيق العدالة . هذا بالإضافة للرساميل العابرة للقارات .

في خضم هذه المتغيرات يجب أن نسأل أنفسنا عن مدى قدرة خطابنا على النفوذ إلى عمق المجتمع بجميع مكوناته . و قدرة سلوكنا على الاندماج وسط المجتمع بكل مستوياته الطبقية والفكرية والعقائدية و خلخلة الثوابت التي تحول دون تطوره والانعتاق من العبودية و من الفكر الخرافي و الشعوذة السياسية.ولنا مثل في دول أمريكا اللاتينية التي توحدت احزابها اليسارية وفق أهداف محددة و انطلاقا من واقع مزري تعيشه شعوب تلك الدول من استبداد واستغلال.

و بالرغم من السيطرة المطلقة للأنظمة الديكتاتورية والمدعمة من أمريكا انتصرت الثورة الساندينية لشعب نيكاراغوا في الثمانينات و للديمقراطية .

وقد عرفت هذه الدول موجتين تاريخيتين عُرفتا بـ “المد الوردي” حيث اعتمدت الأحزاب اليسارية في صعودها على استغلال السخط الشعبي تجاه السياسات النيوليبرالية، وتشكيل تحالفات عابرة للطبقات، وتبني برامج براغماتية تتمحور حول العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة دون إلغاء اقتصاد السوق بالكامل.

لقد انتصرت الأحزاب اليسارية في أمريكا الجنوبية من خلال موجات “المد الوردي” و التي تؤرخ لموجة صعود اليسار الديمقراطي بدءا من تسعينيات القرن الماضي واستمرت حتى العقد الحالي)، وذلك بالاعتماد على ركنين أساسيين:

الركن الأول و يتجلى في صناديق الاقتراع كبعد استراتيجي يكرس الحق في تقرير مصير الشعب، الاقتصادي و السياسي و الاجتماعي.

أما الركن الثاني فإنه يتجلى في توحيد الحركات الاجتماعية، وتحديث برامجها الاقتصادية حتى تتناسب وفق التطلعات الشعبية. إنه من أسباب وعوامل الانتصار التي حققتها أحزاب اليسار في هذه الدول كنموذج هو :

#استغلال السخط الشعبي ضد النيوليبرالية

# استمرار صعود اليسار باستغلال الفشل الاقتصادي للسياسات اليمين وما ترتب عنها من تخلف وفقر و من تفاقم الفوارق الاجتماعية واتساع رقعة الفقر.

# تبني استراتيجية “الجبهات الواسعة”: حيث نجحت الأحزاب اليسارية في تكوين تحالفات عريضة شملت النقابات العمالية و المثقفين و الفنانين وحركات السكان الأصليين، والمنظمات النسوية، والحركات الطلابية، مما مكنها من كتلة ناخبة عريضة و متماسكة و و حاضرة في كل مناسبة انتخابية.

#التجديد في الخطاب السياسي ليكون أكثر مرونة و التركيز على ترسيخ المؤسسات الديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، مع تقديم ضمانات واعدة و قوية بإعادة توزيع الثروة ودعم العدالة الاجتماعية. إن مشروع توحيد اليسار ليس بهين كما يظن البعض، بل هو مشروع سيظل تحت السيطرة المخزنية عن بعد من خلال اختراقه على المستوى الفكري والسلوكي حتى لاينتصر ،كما أنه يتعرض إلى الاستقطاب ،خاصة وسط أطره الواعدة لتشغيل مناصب عليا.

لذلك فإن المشروع في حاجة إلى إعداد وفق التحولات التي يعرفها المناخ السياسي العالمي في علاقة من المناخ السياسي الوطني و تأثير ذلك على المجتمع واعتماد سياسة تدبير الاختلاف وفق قواعد حل الخلاف عبر التواصل البناء و الهادف كما يحتاج، أي هذا المشروع، إلى المصالحة مع الذات ومع المحيط الشعبي بكل مكوناته الفكرية والثقافية والعقائدية.

*البدالي صافي الدين

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.