بقلم:عبد الرحمان سوسو
في مثل هذا اليوم 29 ماي من كل سنة يستحضر المغاربة ذكرى رحيل أحد كبار رجالات الدولة والوطن، المجاهد والمناضل الاتحادي الكبير عبد الرحمان اليوسفي، الرجل الذي لم يكن مجرد اسم عابر في سجل السياسة المغربية، بل مدرسة كاملة في الوطنية، والنضال، والزهد، ونظافة اليد، وصدق الانتماء للوطن والشعب.
لقد رحل الجسد يوم 29 ماي 2020، لكن بقيت سيرته حاضرة في وجدان المغاربة، لأن الرجال العظماء لا يموتون حين تتوقف أنفاسهم، بل يخلدهم ما تركوه من مواقف ومبادئ ومسارات مضيئة.
ولد عبد الرحمان اليوسفي بمدينة طنجة سنة 1924، وانخرط مبكرا في معركة التحرير الوطني ضد الاستعمار، فكان من رجالات الحركة الوطنية الذين دفعوا ثمنا غاليا من أعمارهم وحياتهم في سبيل استقلال المغرب وكرامة شعبه. عُرف بشجاعته الفكرية والسياسية، وبانتمائه الصادق لقضايا الوطن، حيث كان من أبرز قيادات الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومن المدافعين عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.
لم يكن اليوسفي سياسيا يبحث عن المناصب أو الامتيازات، بل كان يعتبر المسؤولية تكليفا وطنيا وأخلاقيا. لذلك ظل اسمه مقترنا بالنزاهة والعفة والزهد في المال العام. ومن المواقف التي خلدها التاريخ، رفضه لكل أشكال الريع والامتيازات، وتواضعه الكبير رغم تقلده أعلى المناصب، وعلى رأسها رئاسة حكومة التناوب التوافقي سنة 1998، وهي المرحلة التي اعتبرها كثيرون محطة مفصلية في تاريخ الانتقال الديمقراطي بالمغرب.
ومن أبرز صور زهده ونبل أخلاقه، عزوفه عن الاستفادة من التعويضات والامتيازات بالشكل الذي يلهث خلفه كثيرون، حيث ظل وفيا لقناعته بأن خدمة الوطن ليست بابا للاغتناء، بل رسالة ومسؤولية. كما ترك وصية إنسانية ووطنية نبيلة حين أوصى بأن يُمنح منزله هبة بعد وفاته، في موقف يعكس سمو أخلاقه وتجرده من حب التملك والتعلق بزخارف الدنيا.
لقد كان اليوسفي صوتا للحكمة والعقل، ورمزا للسياسي الذي يختلف بشرف، ويعارض بمسؤولية، ويؤمن بأن الوطن أكبر من الحسابات الضيقة. لم يكن خطابه قائما على الضجيج والشعبوية، بل على الرصانة والعمق والوفاء للمبادئ.
وفي زمن اختلطت فيه القيم، وأصبحت السياسة عند البعض وسيلة للبحث عن الامتيازات والمصالح الشخصية، تعود سيرة عبد الرحمان اليوسفي لتطرح سؤالا كبيرا:
أين نحن اليوم من أخلاق الرجال الذين ناضلوا من أجل الوطن دون أن يطلبوا مقابلا؟إن تخليد ذكرى هذا الرجل ليس مجرد استحضار لتاريخ شخصية وطنية، بل هو دعوة لإحياء قيم النزاهة والتضحية والوفاء، وإعادة الاعتبار للسياسة النبيلة التي تجعل خدمة المواطن فوق كل اعتبار.
رحم الله المجاهد الكبير عبد الرحمان اليوسفي، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه لهذا الوطن من نضال وتضحيات في ميزان حسناته، وأبقى سيرته منارة تهدي الأجيال إلى معنى الوطنية الحقيقية والسياسة النظيفة.
