بقلم المصطفى. لحميدي
هكذا تتغير المجتمعات؛ ليس عبر صدمة مفاجئة، بل عبر التدرج والتكرار، حتى تتحول أمور كانت مرفوضة ومستغربة إلى سلوك يومي مألوف لا يثير أي انتباه.
وما كان يُعتبر خروجًا عن قيم المجتمع يصبح مع الوقت جزءًا من “الحرية” و”التحضر” و”الانفتاح”.في المغرب، كما في كثير من المجتمعات العربية، عرف المجتمع خلال العقود الأخيرة تغيرات كبيرة بفعل الإعلام والعولمة والانفتاح الثقافي.
فبعض المشاهد والسلوكيات التي كانت تُعتبر في الماضي بعيدة عن طبيعة المجتمع المحافظ أصبحت اليوم تُعرض بشكل عادي في التلفزيون والسينما ومنصات التواصل، حتى تعود الناس عليها وأصبحت مألوفة.
في الماضي، كانت لقطة واحدة غير محتشمة في فيلم أو مسلسل كافية لأن تُحدث حالة من الحرج داخل البيت، فيسود الصمت حول مائدة الطعام، ويغادر بعض أفراد الأسرة أماكنهم بدافع الحياء والخجل.
وكانت مثل هذه المشاهد تبقى حديث الناس لأيام بسبب غرابتها وعدم انسجامها مع طبيعة المجتمع المحافظ. أما اليوم، فقد أصبح كثير مما كان يُعتبر صادمًا يُعرض بشكل متكرر حتى فقد تأثيره، وأصبحت الأغاني الماجنة ذات الكلمات الخادشة للحياء تُسمع بشكل يومي في الأماكن العامة والسيارات والحفلات، دون أن تثير الاستغراب كما كان يحدث سابقًا.ففي المدن الكبرى مثلًا، أصبح تدخين المرأة في الأماكن العامة أمرًا عاديًا لا يثير الانتباه، بعدما كان في السابق يُنظر إليه كسلوك غير مقبول اجتماعيًا.
وأصبح الرقص المختلط في الحفلات والمناسبات ووسط الرجال أمرًا طبيعيًا عند كثير من الناس، بعد أن كان يُعتبر منافياً لحياء المجتمع المحافظ.
كما تغيرت طريقة اللباس، وطبيعة العلاقات، وحتى طريقة الحديث والتعبير، إلى درجة أن أشياء كثيرة كانت تُناقش بحذر أصبحت اليوم تُعرض بشكل علني ومتكرر.المشكلة ليست في مشهد واحد أو تصرف فردي، بل في التغيير التدريجي الذي يجعل المجتمع يفقد شيئًا فشيئًا حساسيته تجاه بعض الحدود الأخلاقية والقيمية. لأن ما يتكرر باستمرار في الإعلام والفن يتحول مع الوقت إلى شيء مألوف، ثم إلى أمر مقبول، حتى وإن كان في البداية مرفوضًا.الفن الحقيقي ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل رسالة لها تأثير على وعي الناس وسلوكهم. ومن المفترض أن يساهم الفن في معالجة مشاكل المجتمع والارتقاء بالذوق والأخلاق، لا أن يتحول إلى أداة لتطبيع كل ما هو دخيل على هوية المجتمع وثقافته باسم الحداثة والانفتاح.فليس كل تغير يعتبر تقدمًا، وليس كل تقليد للغرب يعني تحضرًا.
فالمجتمع الذي يفقد قيمه وحدوده الأخلاقية يفقد بالتدريج جزءًا من هويته وتوازنه، حتى يصبح يعيش حالة من السيولة القيمية التي لا يبقى فيها واضحًا ما هو مقبول وما هو مرفوض.الحفاظ على القيم لا يعني رفض التطور، بل يعني أن يتطور المجتمع دون أن يفقد روحه وهويته ومرجعيته الأخلاقية.
