Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id=195]
اقتصاد

أسواقنا بين «اليد الخفية» وواقع «الشناقة»: أزمة الأضاحي واختلالات السوق

بقلم:رشيد الدعبور

مع اقتراب عيد الأضحى، يتجدد في البيوت المغربية النقاش نفسه حول أسعار الأضاحي. فبعد سنوات من الجفاف، استبشر المواطنون خيراً بموسم فلاحي جيد وبوعود رسمية تؤكد وفرة القطيع ودعم الأعلاف، وهو ما كان يفترض أن ينعكس على الأسعار بشكل إيجابي. غير أن الواقع كشف استمرار الأثمان في مستويات مرتفعة حتى حدود كتابة هذا المقال 10 ماي 2026 ( أقل ب 5 الى 10 في المئة حسب رأي المهنيين مقارنة بسنة 2024 )، مما أعاد إلى الواجهة الحديث عن الغلاء ودور «الشناقة» وضرورة اعتماد البيع بالميزان كآلية أكثر عدلاً وشفافية.

وهنا يبرز سؤال أساسي: هل ترتبط الأزمة بظرف موسمي عابر، أم أنها تعكس اختلالات أعمق في بنية السوق المغربية؟

●بين النظرية الاقتصادية والواقع المغربيتقوم نظرية «اليد الخفية» لآدم سميث على فكرة أن السوق قادر، بشكل تلقائي، على تحقيق التوازن من خلال تفاعل العرض والطلب، حيث يؤدي سعي كل فرد وراء مصلحته الخاصة إلى خدمة المصلحة العامة بصورة غير مباشرة. غير أن هذا التوازن يفترض وجود شروط أساسية، من بينها شفافية المعلومات، وحرية المنافسة، وتكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين.لكن الواقع المغربي يكشف في كثير من الأحيان حدود هذه النظرية. ففي قطاع المحروقات مثلاً، لم يؤد تحرير الأسعار إلى منافسة حقيقية كما كان متوقعاً، بل أفرز اختلالات دفعت مجلس المنافسة إلى التدخل للتحقيق في شبهات التواطؤ بين بعض الشركات. والأمر نفسه يبرز في الأسواق الفلاحية، حيث تتقلب الأسعار بشكل حاد؛ إذ قد يبيع الفلاح منتوجه بأثمان متدنية لا تغطي حتى تكاليف الإنتاج، بينما تصل الأسعار إلى مستويات مرتفعة لدى المستهلك النهائي.

●الشناقة بين الوساطة المشروعة والمضاربةفي كل موسم للأضاحي، تتجه أصابع الاتهام نحو الوسطاء باعتبارهم أحد أسباب ارتفاع الأسعار. غير أن التعميم في هذا السياق يظل غير دقيق، لأن الوسطاء ليسوا جميعاً في المستوى نفسه من المسؤولية.هناك أولاً الوسيط الذي يؤدي دوراً اقتصادياً حقيقياً، من خلال نقل الأغنام من مناطق الإنتاج إلى الأسواق الحضرية، وتحمل تكاليف النقل والتغذية والتسويق. هذا النوع من الوساطة يشكل جزءاً طبيعياً من سلسلة التوزيع، لأنه يضيف خدمة فعلية تستوجب مقابلاً مالياً معقولاً.في المقابل، يوجد نوع آخر من الوسطاء يقوم على المضاربة السريعة داخل الأسواق نفسها، عبر شراء الأغنام وإعادة بيعها في ظرف وجيز بهدف تحقيق أرباح سريعة دون تقديم أي قيمة مضافة حقيقية. هذا السلوك يساهم في رفع الأسعار بشكل اصطناعي، مستفيداً من غياب الشفافية وضعف تنظيم الأسواق التقليدية.

●هل البيع بالميزان حل ممكن؟أمام استمرار الارتفاع في الأسعار، تتزايد الدعوات إلى اعتماد البيع بالميزان وتسقيف الأثمان بشكل يضمن قدراً أكبر من العدالة والوضوح. ويرى كثيرون أن هذا الخيار قد يساعد على الحد من المضاربات، خاصة إذا تم في إطار حوار مع المهنيين لتحديد هامش ربح معقول يراعي تكاليف الإنتاج والنقل وجودة الأضاحي.كما أن اعتماد معايير واضحة للبيع يمكن أن يخفف من حالة اللايقين التي تميز الأيام الأخيرة قبل العيد، حيث تصبح الأسعار خاضعة للتقلبات والمزايدات أكثر من خضوعها لمنطق العرض والطلب الحقيقي.

●الحاجة إلى تحديث الأسواقتكشف أزمة الأضاحي، في جوهرها، عن الحاجة إلى تحديث سلاسل الإنتاج والتوزيع في المغرب. فمن غير المنطقي أن يواصل بلد يسعى إلى تطوير اقتصاده الاعتماد على أسواق تقليدية تفتقر إلى التنظيم والشفافية.إن المغرب الذي يسعى الى رقمنة المعاملات المالية والحد من استعمال الكاش لا يمكن أن يقبل بمعاملات ورقية تفوق 20 مليار درهم خلال أيام العيد ، فما عدا بعض الأسواق الكبرى التي توفر خدمة الأداء بالبطاقة البنكية فجل أسواق الأضاحي تعتمد الكاش في المعاملات وهذا يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى وجود إرادة حقيقية في التحديث ومحاربة مظاهر التقليدانية .

إن تحقيق التوازن داخل السوق لا يقتصر على دعم الكسابة أو مراقبة الأسعار بشكل ظرفي، بل يتطلب إصلاحاً أعمق يشمل تنظيم مسالك التوزيع، وتوفير معلومات دقيقة حول الأسعار، وتعزيز آليات المراقبة والمنافسة. فالسوق العادل لا يحمي المستهلك فقط، بل يضمن أيضاً للفلاح والكساب عائداً منصفاً، ويحد من تحكم المضاربين في قوت المواطنين ومناسباتهم الاجتماعية.

*رشيد الدعبوز طالب باحث في ماستر التحليل الإقتصادي والتنمية المجالية بكلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية بقلعة السراغنة.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.