Sign Up to Our Newsletter

Be the first to know the latest updates

[mc4wp_form id=195]
رأي

بين البنية التحتية والتنمية الحقيقية: لماذا لا تكفي المشاريع الكبرى وحدها؟

بقلم ذ محمد فحرواي : فاعل جمعوي

شهد المغرب خلال العقود الأخيرة دينامية استثمارية كبيرة تجلت في إنجاز مشاريع ضخمة للبنية التحتية، شملت الطرق السيارة، والموانئ الكبرى، وخطوط السكك الحديدية الحديثة، والمناطق الصناعية واللوجستية.

وقد ساهمت هذه المشاريع في تحسين صورة البلاد وتعزيز موقعها الاقتصادي على المستوى الإقليمي والقاري، كما وفرت للمغرب تجهيزات أساسية لا يمكن إنكار أهميتها في دعم التنمية وجذب الاستثمارات.

غير أن هذا المجهود الاستثماري الكبير يطرح، في المقابل، سؤالاً جوهرياً يتعلق بمدى مردوديته الاقتصادية والاجتماعية. فبالرغم من الأموال الضخمة التي تم ضخها في مشاريع البنية التحتية، لا تزال معدلات البطالة مرتفعة، والفوارق الاجتماعية والمجالية قائمة، كما أن وتيرة النمو الاقتصادي لا تعكس دائماً حجم الاستثمارات المنجزة.

إن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد الطرق والمباني والمنشآت التي يتم تشييدها، بل بمدى قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل هذه المشاريع إلى ثروة منتجة، وفرص شغل، وتحسين ملموس في حياة المواطنين، ذلك أن البنية التحتية- مهما بلغت جودتها- تبقى مجرد وسيلة وليست غاية في حد ذاتها.

لقد أثبتت تجارب عدد من الدول أن الاستثمار في الحجر والإسمنت وحده لا يكفي لتحقيق الإقلاع الاقتصادي، ما لم يكن مصحوباً بإصلاحات عميقة تشمل التعليم، والإدارة، والبحث العلمي، والحكامة الاقتصادية. فالدول التي نجحت في تحقيق طفرات تنموية حقيقية لم تكتف ببناء الطرق والموانئ، بل استثمرت أساساً في الإنسان، وفي تطوير الكفاءات، وتشجيع الابتكار والإنتاج.

ومن هنا، فإن التحدي المطروح اليوم أمام المغرب لا يتعلق فقط بمواصلة الاستثمار، بل بتحسين جودة هذا الاستثمار وتوجيهه نحو القطاعات الأكثر قدرة على خلق القيمة المضافة ومناصب الشغل المستدامة. كما أن ربط المشاريع الكبرى بالنسيج الاقتصادي المحلي، ودعم المقاولات الوطنية الصغرى والمتوسطة، يعد شرطاً أساسياً لضمان استفادة أوسع من ثمار التنمية.

ولا يمكن الحديث عن تنمية شاملة دون معالجة الاختلالات المرتبطة بالحكامة والبيروقراطية وضعف مردودية بعض القطاعات الحيوية. فنجاح أي نموذج تنموي يظل رهيناً بوجود إدارة فعالة، وعدالة مجالية، ومناخ اقتصادي يفتح المجال أمام المبادرة والإبداع وتكافؤ الفرص.

إن المغرب يتوفر على مؤهلات حقيقية تمكنه من تحقيق نهضة اقتصادية متوازنة، لكن ذلك يتطلب الانتقال من منطق التركيز على المشاريع الكبرى فقط، إلى رؤية شمولية تجعل الإنسان محور التنمية وغايتها الأساسية. فالتنمية ليست مجرد إسمنت وحديد، بل هي أيضاً تعليم جيد، وصحة، وفرص عمل، وكرامة اجتماعية.

وفي النهاية، تبقى قيمة أي استثمار مرتبطة بقدرته على تحسين حياة المواطنين وبناء اقتصاد منتج وقادر على مواجهة التحديات. لأن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تبنيه من منشآت، بل بما تصنعه من أمل ومستقبل لأبنائها.

– ملحوظة هامة جدا:

* الأفكار الواردة في هذه المقالة مستوحاة من تقارير وطنية ودولية معروفة وذات مصداقية، وليست مجرد آراء عامة.

ومن أبرز المراجع التي استندت إليها أذكر ما يلي:

– تقارير المندوبية السامية للتخطيط، خاصة المتعلقة بالبطالة، والفقر، والفوارق الاجتماعية والمجالية، وسوق الشغل.

⮚ الموقع الرسمي: المندوبية السامية للتخطيط⁠

⮚ تقارير بنك المغرب السنوية، التي تتناول ضعف مردودية الاستثمار، وإشكالية النمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل

⮚ الموقع الرسمي: بنك المغرب⁠

⮚تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الصادر سنة 2021، والذي تحدث بوضوح عن محدودية أثر النمو الاقتصادي على التشغيل وتقليص الفوارق

⮚ الموقع الرسمي: النموذج التنموي الجديد⁠

⮚ تقارير البنك الدولي حول الاقتصاد المغربي، والتي تشير إلى تحديات الإدماج الاقتصادي والتفاوتات الاجتماعية وضعف إنتاجية الاستثمار

⮚ الموقع الرسمي: البنك الدولي⁠

⮚ تقارير صندوق النقد الدولي الخاصة بالمغرب، والتي تتناول مسألة النمو والتشغيل وفعالية الإنفاق العمومي والاستثمار

⮚ الموقع الرسمي: صندوق النقد الدولي⁠؛

⮚ تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، خاصة تلك المرتبطة بالعدالة المجالية والحماية الاجتماعية والفوارق الترابية.

⮚الموقع الرسمي: المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي⁠.

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.