رأي

الموت يهدم الجدران أو عندما تتحول البيوت الطينية إلى قبور لقاطنيها

موسى عزوزي

وأنا أطالع خبر فاجعة موت طفل تحت أنقاض بيت أسرته بسبب أمطار عاصفية بدوار العبادلة بجماعة الهيادنة استحضرت أحداث رواية قبور في الماء للكاتب الراحل الرائع محمد زفزاف.

تدور أحداث الرواية في قرية المهدية، التي تحولت الآن إلى مدينة ضواحي القنيطرة، حيث يموت عدد من أبناء قصبة المهدية غرقا أثناء عملهم على متن مركب صيد في عرض البحر، الفاجعة التي خلفت حزنا عميقًا وحالة من الذهول في نفوس الأهالي، دفعتهم إلى مطالبة العياشي مالك المركب، بدفع الدية تعويضًا لعائلات الضحايا، لكن العياشي يرفض تسديد أي تعويض مالي، ويقترح بدلًا من ذلك إقامة “زردة” (وليمة جماعية) لإرضاء الأهالي والتكفير عن الحادث بطريقته الخاصة.

وفي محاولة لاحتواء الوضع يتدخل القائد ممثل السلطة المحلية، دون أن يُقدّم أي حلّ حقيقي أو موقف حازم تجاه مطلب الأهالي، ومع الوقت، تنخفض مطالبة الناس بالحق إلى انتظار الزردة. وتنتهي أحداث الرواية بإقامة الزردة في جوّ من القبول الجماعي، رغم شعور الأهالي بالظلم والخذلان، وسرعان ما يعود الجميع إلى حياتهم، وكأن شيئًا لم يقع، وتُنسى المأساة تدريجيًا في ظل غياب العدالة الحقيقية.

ومع اختلاف الأمكنة والأسباب والوقائع فإن رحيل طفل في عمر الزهور على صوت الرعد تحت أنقاض حائط طيني عصف بجسده الغض وقذف به إلى القبر قبل أوانه ، يسائل جميع الجهات والسياسات العمومية التي تعايشت مع البناء القروي الهش ، وتركت قاطنيه يواجهون مصيرهم المحفوف بكل أسباب الموت في رحلتي الشتاء والصيف.

من المؤكد أن هذه الفاجعة التي شهدها “دوار لعبادلة” بجماعة لهيادنة لن تكون هي الأولى من نوعها ولا الأخيرة، ما دامت آلاف الأرواح تسكن في بيوت هي أقرب إلى التوابيت أو القبور الجاهزة، وأبعد ما تكون عن السكن اللائق الذي هو حق أساسي من حقوق الإنسان لما يفترض أن يوفره لصاحبه من كرامة وشعور بالأمن.

لم تعد البنايات الطينية في التجمعات السكنية القروية بقلعة السراغنة صالحة لمواجهة التقلبات المناخية، فبينما يستبشر الناس خيراً بالمطر، تتحول آمال القرويين من الحلم بالرخاء، إلى خطر داهم يقوض الأسقف فوق رؤوس ساكنيها، وفي فصل الصيف تهدد العقارب أرواح الأطفال ليلا ونهارا.

ما فائدة التحقيق في مثل هذه الكوارث؟ وهل من الضروري انتظار الكارثة لتسجيل الخسائر أما آن الأوان للقيام بعملية إحصاء ميدانية دقيقة لكل البنايات الطينية الهشة في الجماعات القروية، واقتراح برنامج محلي استعجالي لترميم البيوت المتداعية، ودعم الأسر المعوزة، وحقن الدماء بوضع حلول للتعقيدات الإدارية القاتلة.

رحم الله طفل “لهيادنة”، والشفاء العاجل للمصابين.

موسى عزوزي

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.