رغم ما تشهده مدينة قلعة السراغنة من توسّع عمراني ونمو سكاني متزايد، ما تزال تفتقر إلى سوق نموذجي منظم لبيع الأسماك، في وضع يصفه كثير من السكان بـ«غير المقبول» و«المهدِّد للصحة العامة».
وفي غياب فضاء خاص بتجار السمك يحترم شروط السلامة الصحية، انتشرت محلات عشوائية وباعة جائلون وسط الأحياء السكنية، محولين حياة الساكنة إلى معاناة يومية.روائح كريهة تزكم الأنوف، ذباب يحاصر المنازل، ومياه ملوثة تُرمى عشوائيًا في الأزقة. مشاهد أصبحت مألوفة قرب نقط بيع الأسماك المنتشرة داخل الأحياء، في غياب أي مراقبة صارمة من الجهات المختصة.
ويؤكد متضررون أن هذه الوضعية تتكرر يوميًا دون حسيب أو رقيب، متسائلين عن دور المصالح الجماعية والسلطات المحلية في حماية صحة المواطنين.
الأخطر من ذلك، حسب عدد من الفاعلين المحليين، هو أن بيع الأسماك يتم في ظروف تفتقر لأدنى شروط التخزين والتبريد، ما يفتح الباب أمام مخاطر صحية حقيقية، خاصة في فصل الصيف.
ورغم شكايات الساكنة المتكررة، لا تزال هذه الأنشطة تُزاول في قلب الأحياء السكنية، وكأن صحة المواطنين مسألة ثانوية.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن غياب رؤية واضحة لتنظيم هذا القطاع ساهم في تكريس الفوضى، حيث لم يتم إلى اليوم إخراج مشروع سوق نموذجي للأسماك إلى حيز الوجود، رغم الحاجة الملحة إليه. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا التأخر، وحول الجهة التي تتحمل مسؤولية هذا الإهمال.
أمام هذا الواقع، يطالب السكان بتدخل عاجل لوضع حد لهذه الفوضى، عبر إحداث سوق نموذجي يستجيب للمعايير الصحية، ونقل أنشطة بيع الأسماك خارج الأحياء السكنية، وتفعيل المراقبة والزجر في حق المخالفين. فصحة المواطنين وحقهم في بيئة نظيفة لا ينبغي أن يظلا رهينين بالعشوائية والتساهل.
ساكنة متضررة: “نعيش وسط الروائح والذباب
”تقول فاطمة (ربة بيت تقطن بحي سكني قريب من إحدى نقط بيع السمك):“لم نعد قادرين على فتح نوافذ منازلنا بسبب الروائح الكريهة التي تنبعث من محل لبيع الأسماك مجاور لنا ناهيك عن الذباب كلما ارتفعت درجة الحرارة.
”أما عبد الرحيم، أحد الساكنة، فيؤكد أن المشكل تجاوز حدود الإزعاج:“راه هاد الشي ولى خطر على الصحة، السمك كيتباع تحت الشمس والماء الوسخ كيتفرغ فالزنقة، واش خاص شي كارثة باش يتحركو؟
” باعة بين غياب البديل والفوضى
من جهتهم، يبرر بعض الباعة الجائلين هذا الوضع بغياب فضاء منظم، حيث يقول أحدهم:“حنا ما عندنا فين نمشيو، ما كاينش سوق نموذجي، إلا مشينا شي بلاصة أخرى كيطردونا.”غير أن هذا التبرير، حسب الساكنة، لا يمكن أن يكون على حساب صحتهم وحقهم في بيئة سليمة.
مسؤولون يقرّون بالمشكل… دون حلول ملموسة
في تصريح لمسؤول رفض الكشف عن هويته، أقرّ بوجود اختلالات في تنظيم بيع الأسماك، قائلاً:“نحن على علم بالمشكل، وهناك تفكير في إيجاد حل شامل عبر إحداث سوق نموذجي، لكن الأمر يتطلب إمكانيات ودراسة معمقة.”تصريح اعتبره متتبعون للشأن المحلي غير كافٍ، خاصة وأن هذا “التفكير” طال لسنوات دون أن يترجم إلى إجراءات عملية على أرض الواقع.
بين صحة المواطنين وانتظار الحلول
ويرى فاعلون مدنيون أن استمرار هذا الوضع يعكس غياب الإرادة الحقيقية لتنظيم القطاع، مؤكدين أن صحة المواطنين لا يجب أن تخضع لمنطق التسويف. ويطالب هؤلاء بتدخل عاجل للسلطات الإقليمية، وتشديد المراقبة الصحية، ونقل أنشطة بيع الأسماك خارج الأحياء السكنية في انتظار إحداث سوق نموذجي يستجيب للمعايير القانونية.
إلى ذلك الحين، تبقى ساكنة قلعة السراغنة عالقة بين فوضى يومية وتصريحات رسمية لا تسمن ولا تغني من معاناة.

