في شأن الانتخابات التشريعية المقبلة سنة 2026 و أحزاب تعيش صراعات داخلية و ترحال بينها بحثا عن التزكية أو التزكية/ التاشيرة لولوج قبة البرلمان ، التزكية التي ظلت تشكل اللغز السياسي في البلاد ، لأنها أصبحت عند البعض تجارة حزبية يتصرف فيها الزعيم كيف يشاء و يمنحها لمن يشاء بالمقابل الذي يريد و أحيانا مقابل تغطية مصاريف الحملة الانتخابية على حساب المستفيد و تسلم فاتورة المصاريف للزعيم كي يقدمها للمجلس الأعلى للحسابات و لوزارة الداخلية.
فلا دخل للقواعد التي تعودت على التصفيق للزعيم و مباركة خطواته، لأنه في اعتقادهم يعرف مصلحة الحزب.
فلا معايير الكفاءة و لا النزاهة و لا الحس الوطني و لا الإستقامة الفكرية و النضج السياسي يعتمدها الزعيم من أجل منح التزكية ، المال بالدرجة الأولى ثم النزعة القبلية مما يزكي التفرقة و الفئوية ، و من هنا تظهر معالم المؤسسة التشريعية التي ستفرز الحكومة، حتما ستكون حكومة تضارب المصالح و حكومة رعاية الفساد و المفسدين.
ستكون حكومة كمثيلاتها التي سبقتها ،حكومة تبديد المال العام و الإفلات من العقاب. يبقى السؤال المطروح ،هو لماذا هذه الحمى، حمى التزكية/ التاشيرة للترشح للبرلمان في الانتخابات المقبلة ؟ ولماذا تزداد درجات الحمى عند اقتراب الانتخابات ؟ و لماذا تبدأ بعض الوجوه تظهر بالمناسبة أو بغيرها بجانب العامل أو الوالي؟ هل للضغط على الزعيم من أجل التزكية ؟
إن هذه الأسئلة تحيلنا على اللوحة القاتمة لبلادنا في مجال الانتخابات منذ الاستقلال . ذلك أنه إذا ما احتسبنا كلفة الانتخابات من ذلك الحين سنجدها ذهبت هباء منتورا .
لماذا؟ لأن البرلمان مجالا للريع الذي يشمل الرواتب الشهرية، والتعويضات عن المحروقات، والسيارات، بالإضافة إلى امتيازات أخرى.
إن هذه الحمى مردها كذلك إلى الأسباب التالية:
1 – السبب الأول :
انعدام الديمقراطية الداخلية والتي يتم الاحتكام إليها عند اتخاذ القرارات المرتبطة بالشؤون الحزبية ومنها اختيار المرشحين للبرلمان أو للمجالس الجماعية المحلية أو الاقليمية والجهوية حيث تتم استشارة الناخبين على مستوى الدائرة الانتخابية للحسم في المرشح المفضل .
وهي الطريقة التي تعتمدها الأحزاب في الدول التي تنعم بالديمقراطية و التي تحترم الشعب و تبحث عن مصلحة الوطن و عن من يمثل الأمة أحسن تمثيل في الداخل وفي الخارج و من يدافع عن مصالحها و عن وحدتها و عن الوحدة الترابية و يضحي من أجلها لا من أجله أو من أجل الزعيم .
2 – السبب الثاني:
-سيادة الأمية السياسية و الجهل و استبداد القيادة الحزبية التي تصبح على مبادئ و تمسي على أخرى حسب رغبة الحاكم . و تبحث عن الأغلبية بشتى الوسائل ،منها شراء الدمم ، التي تمكنها من قيادة الحكومة ورئاسة البرلمان و مجلس المستشارين و الحصول على أكبر حصة من الدعم المالي الذي تدفعه الحكومة حسب عدد الأصوات المحصل عليها.
3 – السبب الثالث:
انعدام قواعد حزبية ثابتة ومنظمة ومبدئية ومكونة ومنضبطة وتؤمن بربط المسؤولية بالمحاسبة و بالديمقراطية الداخلية و بالمساءلة والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب ، قاعدة أفرزتها حركات اجتماعية أو صراع اجتماعي ،قاعدة ملتزمة ببرنامج اقتصادي و اجتماعي واضح المعالم والأبعاد.
إن هذه الأسباب من الأسباب المتعددة التي جعلت التأشيرة إلى البرلمان أو مجلس المستشارين تظل في بلادنا بضاعة مربحة عند الزعيم.و هي خسارة للشعب و لمستقبله ، و ستظل الدولة بعيدة كل البعد عن تحقيق الديمقراطية و التنمية و الارتقاء بالقطاعات الاجتماعية( التعليم والصحة) وتحقيق رأسمال وطني يحمي اقتصاد الوطن من الانهيار و الاختراق ، لأنها أضاعت سنين في تبديد الأموال الطائلة في الانتخابات و لم تقدر خطورة تفشي الفساد في الجماعات المحلية و المجالس الإقليمية و الجهوية و طغيان المصالح الشخصية في البرلمان و الريع و تضارب المصالح .
البدالي صافي الدين

