الإختلاف رحمة، الإختلاف جمال، لولا الإختلاف لَمَا كانت الألوان التي تشكل قوس قزح الذي يسر الناظرين، لولا الإختلاف لما كانت المنافسة، لولا الإختلاف لما كان الرأي والرأي الآخر، لولا الإختلاف لبقيت الأوراق الصفراء إلى جانب شقيقتها الخضراء على الأشجار تدعي الجمال والثبات، الإختلاف سنة من سنن الله ليُميّز الخبيث من الطيب، كذلك الكون يعج بالإختلافات وتنوعنا فطرة فطرنا الله عليها، تشبه تنوع الحقول والثمار والمزروعات والأشياء من حولنا، فالنفس البشرية لا تستسيغ مذاقاً واحداً ولا صنفاً واحداً، وهذا هو واقع المجتمعات البشرية على مدار العصور والأزمان، وحتى أولادك في البيت تتنوع طبائعهم ورغباتهم وتوجهاتهم، لكننا لا نتقن إدارة التنوع، فالثابت عندنا هو متغير عند غيرنا…الإختلاف والتنوع متطلبات إجبارية في الحياة ومن أراد تغييب غيره قد ينجح مدة من الزمن، لكن دائرة الزمان تدور وعلى الباغي تدور الدوائر، الإختلاف في الرأي جميل، ولكن مع الأسف هناك من لا يعرف كيف يختلف إلا بالتعصب في التحيز وبالسب والتجريح، أحيانا يبلغ التخلف الإجتماعي درجة من السوء تتقدم على درجات التخلف العقلي، وكم هو محزن ممارسة هذا التخلف باسم الرقي والتحضر والتمدن، وقناعة أنفسنا بصوابية هذا السلوك الطائش والظل الثقيل والقبح المصبوغ والإحساس الخشن والألسنة الجارحة…
يفهم البعض الإختلاف في وجهات النظر بوصفه صراعاً على البقاء، بعضهم يعاديك ويقاطعك لمجرد اختلاف رأي حول مواضيع عامة، فكيف تتخيل موقفه حينما يكون الخلاف شخصي وتجده شخصية وذا مكانة ومنظراً للمثالية للأسف الشديد، رغم أن الإختلاف لا يفسد للود قضية، ورغم أن هناك فرق كبير بين النقد البناء والجدل البزنطي، فنحن من يلزمنا التحكم في أنفسنا كي لا نترك لها الفرصة بأن تمر بنا إلى مرحلة الخلاف، يجوز لنا أن نختلف ونظل إخواناً وهذا طبيعي وسبب من أسباب الرقي والتطور، وعند الخلاف تظهر أخلاق الرجال، فلا يمكن أن تشيطن خصمك أو تقدحه بالنعوت والسباب والشتيمة لأسباب تافهة، وهذا من علامات المنافق الذي إذا خاصم فجر، فلا يمكن للخصومة أن تكون بقدر الإختلاف، لكن أسوأ ما فينا أننا نحسن استغلال أي حدث يمر بنا لكي نختلف، فنحن قوم نعشق الإختلاف ونتلذذ به حتى ننسى الأمر الذي اختلفنا من أجله..
.يحرص البعض في العالم الأزرق على تبني مواقف اختلاف حادة دائماً، ورفع شعارات مسمومة باستمرار، وتسفيه منطق العقل ولغة الحكمة حتى عند الحاجة إليهما، فتجده لو ابتلع ريقه مات به، ثم تراه يقذفه على هذا الفضاء، فيقتل الآخرين ببطء من رذاذه، وهذا التعصب الجاف في هذا الفضاء ليس أكثر من قناع لتغطية تقصير كبير في الواقع في نقد الناس والمواقف والسياسات، تمر أحداث كثيرة سياسية واجتماعية، وتسقط تعليقات بعض المتابعين عليها بسرعة الضوء، وما هذه السرعة بمنجية، ولا هي بدالة على حكمة، حيث يجب على المتلقي الإحاطة بتفاصيل الحدث وفهم بواعثه وارتباطه، والقدرة على قول الحق وإدانة المخطيء مع التحرر من ربط التعليق بمصالح خاصة مادية أو معنوية مهما عظمت، وتحمل تبعات قول الحق دون التراجع تحت الضغط، كما يجب الترفع عن أية مساواة بين ظالم وضحية مهما كانت النوايا وعدم الإنحياز للحزب أو التيار أو المصلحة، ومعنى كل ذلك أن تحلق جيداً في فضاء نظيف لعلك ترى الأشياء بوضوح، أما البلطجة فهي أسلوب تفكير قبل أن تكون سلوكاً، فمن يقبل بها أو يتشفى من خصم يتعرض لها، لا يجوز له أن يشتكي حين تمارس عليه تحت أي ذريعة…علينا أن نتعامل على هذا الفضاء وكأننا في بيوتنا، وللبيوت حرمتها، فإن من احترام بعضنا البعض أن لا نتشاجر احتراماً لحرمة البيت، ومن عاداتنا الأصيلة أننا لا نسمح أن يهان فيها أحد، يجب أن نجعل من صفحاتنا في عالمنا الإفتراضي بستاناً جميلاً وحقلاً منتجاً وأرضاً ميمونة معطاءة لكل خير، وبما هو جميل ومفيد من باقات الحكم والأفكار والأشعار والأدبيات والمعارف وأيضاً في المداخلات والردود، والردود على الردود، حتى تُحسب أعمالنا وكتاباتنا مِسْكَ هذا الفضاء بمشاركات لجميل البوح ورقي الأقلام، فلماذا نسمح بكل أنواع السقوط على مواقع التواصل؟
✍️إدريس زياد

