من بالغ في الخصومة أَثِمَ، ومن قصّر عنها ظُلمَ، فلا تُفجّر في خصومتك، وتتعالى في خلافك، ولا تذهب في الخصومة إلى أقصى مداها، ولا تقطع شعرة معاوية، ولا تحرق جسراً يمكن أن يعيد الوصل، ولا تثأر لنفسك بغلوّ، ولا تشعل في نفسك نار الإنتقام، ولا تخضع لغرائزك المتوحشة حتى يبلغ بك الأمر مبلغه فتطعن وتكذب وتفتري وتبالغ وتقذف وتستبيح وتتهم، ولا تفشي الأسرار، ولا تهتك الأستار، ولا تظهر القبيح، ولا تخفي الجميل، ولا تشتد في المعارضة، ولا تلدّ في المخاصمة، ولا تنفضح في التوحّش، ولا تكن لئيم المقالة، لكن هذا لا يعني أن تنسلخ عمّا تؤمن به، وتنقلب على مبادئك، وتنجرف عن موضعك، وتستسلم وترضى بالإفساد تجاهك، والظلم الواقع عليك، بل ينبغي عليك أن تدافع عن نفسك وترفع ما لحق بك من ضرر، لكن دون أن تكون مثل من عاداك وفجّر في خصومته عليك، فهناك شرف في الخصومة، وإنصاف في الخلاف، وأخلاق في المعاملة، ومروءة في الغضب، وإنسانية في مواجهة الحيوانية.
الفاجر لغة هو الفاسق المُنْقاد للمعاصي وهو الزائغ عن الحق، والفاجر في الخصومة هو المنتهك للمعايير الأخلاقية، وهو الحقير الخسيس النذل الدنيء الذي لا كرامة له، وهو الوغد الساقط الذي لا شرف فيه ولا مروءة ولا احترام له، وهو الخبيث السيرة الذي لا يُمتدح من عدوّ أو صديق، وهو الشحيح المتجرّد من أي صفة محمودة، ومن بعض صفات الفاجر في الخصومة أنه شديد الوفاء لطباعه الشريرة وأصله الفاسد المستكرَه، وكثير الإخلاص لطبيعته النرجسيّة وغرائزه الوحشيّة، ولخبث طباع هذا الفاجر وعدم قدرته على اكتساب الصفات الحسنة ولو احتمالاً، تراه شديد الإيلاف لمن يُحسن إليه أو يتقرّب منه، فيركبه ويحلبه ويظل ملتصقاً به كالقُرادة ولا يتركه حتى يمتصّ كل دمه، ثم يقذف به كارهاً له…
لا تردوا على الفاجر بمثل أسلوبه المنحط، صحيح أن كل إناء بما فيه ينضح، وليس كل ما يقال يستحق الرد، وما تفوح المؤخرة عطراً، إلا أن الفاجر يريد أن يكون الناس مثله حتى لا يشعر بوحشة الإنحراف، فإذا عجز عن الحجة والبرهان لجأ إلى البهتان، ومن جبلت أفكاره بطين الخسة والنذالة والعمالة وفقد المروءة فذاك هو الفاجر المنافق الإنتهازي المتقلب اللئيم الحربائي الزئبقي المتلون، تراه يرقص ويتلون في كل مناسبة كما تتلون الحرباء بطبيعتها، لكن الحرباء تتلون للتخفي وهو يتلون للظهور، يتظاهر بعمل المصلحين، لا يثبت على قول أو رأي وليس له ممسك، ولا خير فيه، وهو أرخص الناس معدناً، ولا ينبغي لعاقل من أهله وعشيرته وأصدقائه أن يبسط له يد مسامحة ولا يد انتقام، ولا شيء يعذبه كإهماله وتركه على قارعة النسيان، أما ما بينه وبين الله فشأن يخصه وحده وهو أعلم به، والفاجر في الخصومة غالباً ما يسيء الأدب في حق أصحابه وجذوره وعترته.
يهزمني المُهذّب حتى لو كانت حُجَّتي أقوى، إلا أن بعض الفُجّار من ذوي النفوس الدنيئة، منهم الضعفاء المتأثرون بسطوة الضغط، والمسيّسون المتعصبون، والمرتزقة المأجورون، والقوّالون والصخّابون الباحثون عن الظهور الذي يقسم الظهور، دائماً ما يجدون متعة في البحث عن أخطاء الناس حتى يمطروهم بعبارات فاجرة، تَذَكَّرْ أيها الفاجر أن الإختلاف مهما بلغ لا ينبغي أن يؤدي إلى ارتكاب الفجور في الخصومة، فعنتريات الفايسبوك لن تغطي قهر الماضي المرّ الموجع، ولا البحار السبعة يمكنها أن تغسل القلوب من السواد والحقد والضغينة والفجور، فأقصر فإن التاريخ لا يُنسى !
*اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس
* 🖋️إدريس زياد

