رأي

مع قهوة الصباح : الشماتة و حسن الظن بالله

ولو أن الشماتة بالظالمين وأعوانهم مطلوبة وجائزة شرعاً مصداقاً لقوله تعالى: “ويشف صدور قوم مؤمنين” فالشماتة معناها أن يفرح المرء بمصيبة تصيب فرداً أو جماعة، وهذا الخلق موقف مدموم، وهو ناتج من نواتج الكراهية والبغضاء أو الحسد، وهو لؤمٌ في أصل الطبع والتركيب النفسي، فقد يكون خلقاً بغيضاً مكروهاً، وقد يكون مطلوباً مرغوباً، وقد يكون متردداً إذا داخلته الفتنة واختلف فيه تقدير المصلحة، جاء النهي واضحاً وصريحاً عن الشماتة بمصائب المسلمين بدليل ما أخرجه الترمذي من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: *لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك*، لكن للشماتة وجهاً آخر تكون فيه مباحة بل ومأموراُ بها أيضاً كالشماتة بمصيبة الغادر والظالم والعدو المتجبّر، فإن الشماتة بهم تشفي صدور المظلومين وتعطي العبرة لمن يقع في أعراض الناس ويؤذي مشاعرهم بلا مبرر.

لكن الله يحب الكاظمين، العافين، المحسنين، “والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين” اترك الأمور لباريها فهو أعلم بعباده وما قدموا وما يستحقون، “ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم”، يقول الحسن البصري:”أدركت أقواماً لم تكن لهم عيوب فتكلموا في عيوب الناس، فأحدث الله لهم عيوباً، وأدركت أقواماً كانت لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس فستر الله عيوبهم”.لجأتُ إلى رجل عريق الفهم عميق النظر أثقُ برأيه في أمور يحتار فيها الناس ويختلفون، ويتناولون من أَخَذ بها بأنيابهم، ويسلقونه بألسنة حِداد، وشرحت له أسباب ولوجي في بعض الأمور ووجه المصلحة المراد، فأعجبه هذا الأمر، وقال لي: إن ما فعلتَه يشبه ما فعلتُه فيما مضى من زماني، وأنه تعرّض لمجزرة لسانيّة من رفاقه، وأوذي من العدو المشترك للرفاق جميعاً بسبب رأيه، ثم بانَ في نهاية الأمر وجه المصلحة، ومالَ الناس إليه معتذرين، وجعلوه في مراتب عُليا، سألتُه عن ضابط الأمر عنده، وحدود الجرأة المقبولة التي لا ينكسر فيها حد المرونة، فقال: “حسن الظن بالله فهي من تقوى الله، وإن أفتاك الناس وأفتَوك”،كم شرحتْ صدري كلماته، واستدعيت من ذاكرتي كلام الشافعي رحمه الله مما حكاه عنه تلميذه المُزَني: “ليس ينحسم أَحدٌ إِلا وله مُحبّ ومُبغظ، فإذا لابُدّ من ذلك فليكن المرء في طاعة الله عز وجل”.يقول الجاحظ في كتابه *الحيوان*: “ولم يهلك الناس كالتأويل”.

ويقول في رسائله: “وأعرضنا عن التأويلات فيما وصفنا”، فلا تجعلوا قلوبَكم قَحِلة مَحِلة، بل أسكِنوا فيها حسن الظن بالله تعالى، فإنه يَعمرها فإذا بها هنيئة وضيئة، فإذا ورَدَك الأمر فاستعلِم عنه كما هو، ولا تجتهد في تأويله رغبة عنه أو فيه، وصِفْه على الوجه الذي هو عليه، وضعْه في سياق المعطيات التي لديك، وليس في مسار الظنون والتحليلات التي ستُضلّك، وتذهب بك بعيداً، والإستعلام لا يكون إلا ممن صدر منه الأمر أو الفعل، لذلك اعتبر المواجهة والمصارحة بين أي طرفين هي أقصر الطرق لحل أي خلاف والنجاة من الخطأ في التأويل أو إساءة الظن، فلطالما كانت المصارحة بين العقلاء أمراً فاضلاً، فقد يصبح التأويل والظن مرضاً يهلك صاحبه، ولذلك فإن سلامة الصدر وحسن الظن من أرفع الأخلاق وأكرم المنازل، والظن الحسن والصدر السليم يكون مع المعارف والأصدقاء، أما مع الخصوم والأعداء فالتحقق والإستعلام واجب.

🖋️إدريس زيادد

أخبار تساوت

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AKHBARTASSAOUT @2023. All Rights Reserved.