إن ما تم رصده في اجتماع عدد من الجماعات الترابية في دورة أكتوبر العادية هذه السنة هو المشادات العنيفة والتراشق بالكراسي وإتلاف الوثائق و التهديدات و الخروج عن الضوابط القانونية التي تنظم اجتماعات الجماعات الترابية حسب ‘” المادة 33 من القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات الترابية ” فما هي الدوافع لتلك التصرفات الصادرة من بعض الأعضاء أو العضوات في هذه الدورة في عدد من الجماعات ؟
هل هي من باب الغيرة على مصلحة البلاد ؟ أم هي من باب الدفاع عن مواقف سياسية ؟ أم من باب الابتزاز؟ أو من باب البحث عن الشهرة عبر كاميرات الصحافة الحاضرة؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات تطلب منا الوقوف على المكون السياسي للجماعات ثم طريقة تشكيلها و منهجية اشتغالها .لا شك أن في كل جماعة أغلبية تقوم بتدبير شؤون الجماعة ماليا و اداريا و عمرانيا و غالبا ما تكون الأغلبية التي أفرزت الرئيس و نوابه ما تكون هجينة، حيث إن الجميع يبحث عن مصالحه الانتخابية بعيدا عن التحالفات السياسية أحيانا . قاسمها المشترك هو المصلحة الشخصية و الاستفادة من التعويضات عن التنقل و من السفريات للخارج و من التفويض الذي يساعد على الحفاظ على القاعدة الناخبة و من استعمال سيارة الجماعة و الظفر بالامتيازات الرعوية .
هي تحالفات تظل هشة تتعرض في كل موسم إلى هزات عنيفة يكمن علاجها بإرضاء الغاضبين. هذه الظاهرة تتكرر في كل دورة من دورات الجماعة، خاصة في الدورات التي يعرض فيها الحساب الإداري أو الميزانية السنوية للتسيير (الجزا) الأول . لأنه ليس هناك مشروع تنموي تنكب عليه الجماعة بأغلبيتها و معارضتها من أجل تنمية الجماعة اجتماعيا و اقتصاديا و ثقافيا.
و هذا راجع إلى انعدام التأطير السياسي الهادف و البناء و فصل المصلحة الشخصية عن المصلحة العامة و التكوين الجاد و ليس التفاهات و التربية على تخليق الحياة العامة التي تهدف إلى محاربة الفساد من خلال ترسيخ قيم الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص والإخلاص في العمل والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ، وهي قاعدة أساسية تمكن الجماعة من أن تكون مرجعية للعمل والإخلاص و النزاهة والشفافية . بل مدرسة للتربية على الأخلاق السياسية و التربية على المواطنة .
لكن بالعودة إلى المنطلقات الأساسية التي هي الآليات التشريعية و القانونية التي بموجبها تتشكل الجماعات نجدها منذ عام 1976 عند صدور أول ميثاق جماعي تفتقر إلى الأسس الديمقراطية الحقة و إلى احترام إرادة الناخب بفعل تدخل المال الحرام وشراء الذمم من أجل الفوز في الانتخابات الجماعية و بفعل تدخل وزارة الداخلية التي تعمل من أجل خلق جماعات ترابية على المقاس، مما يجعل المنتخب يرتبط بما تمليه عليه مصلحته و ليس مصلحة المواطن و من تم فإنه يغضب كلما لم يجد منافع قرب الرئيس المنتخب أو المتوافق عليه .
هذه ظاهرة هي السائدة بالنسبة للجماعات الترابية ، و إن أحداث هذا الشهر، أي شهر أكتوبر لهذه السنة ، سنة 2024 ، بمناسبة إعداد ميزانية التسيير للسنة القادمة و أيضا مرور نصف الولاية حيث يمكن تقديم طلب استقالة الرئيس، تتضاعف المشادات و المناوشات و نسف الاجتماعات الخ …
هي مظاهر نتيجة غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة و الإفلات من العقاب و طغيان الريع و التشجيع على الإثراء غير المشروع . لأن عددا من المستشارين الجماعيين أصبحوا من لا شيء أثرياء و أصحاب شركات و مقاولات. و منهم من أصبحت له عقارات بفعل نهب المال العام والفساد الإداري و الغش في الأشغال و التزوير.
إذن ليس هنالك دوافع من أجل المصلحة بقدر ما هي دوافع من أجل المصلحة الخاصة عند العديد.
البدالي صافي الدين


